الثلاثاء، 30 أبريل 2019

تلخيص متن: دليل الطالب، للشيخ: أحمد القعيمي، من كتاب الجنايات إلى نهاية المتن.


تعريف الجناية: التعدّي على البدن بما يُوجب قصاصًا أو مالًا.

القتل هو: فعل ما يكون سببًا لزهوق النفس، وهو ثلاثة أقسام:

الأول: العمد، الثاني: شبه العمد، الثالث: الخطأ.

أمّا العمد والخطأ فقد ثبت في القرآن الكريم، وشبه العمد ثبت في السنة.

القتل العمد يختصُّ به القصاص أو الدية.

القصاص: قتل القاتل بمن قتله، والوليّ مُخيّر بين القَـتل أو الدية، ولو لم يرضَ الجاني.

وعفو وليّ الجناية مجّانًـا أفضل.

والعمد: أن يقصِد الجاني من يعلمُه آدميًا معصومًا فيقتلهُ بما يغلب على الظنّ موته به.

فلو تعمّد جماعةٌ قتلَ واحدٍ قُتِلوا جميعًا، إن صلُح فعلُ كل واحد منهم للقتلِ، وإن تواطئوا على قتله فإنّهم يُقتلون جميعا.

والجرحُ ولو كان يسيرًا إذا مات به فإنّه يُسمّى قتل عمدٍ.

ومن قطع أو شرط سلعة-وهي غٌدة تخرج بين الجلد واللحم إذا غرست باليد تحركت- من مكلف بلا إذنه، أو لغير مكلف بلا إذن وليّه فعليه القود لتعديه لجرحه بلا إذنهِ.


يترتّبُ على قتل العمد:

أولا: الإثم، ثانيا: القود أو الدية مغلظة على القاتل لا العاقلة، ثالثا: لا كفارة فيه.


قتل شبه العمد

وهو: أن يقصدهُ بجنايةٍ لا تقتُـل غالبا إمّا لقصد العدوان عليه، أو للتأديب ولم يجرحه بها فيموت من هذه الجناية؛ فإنّهُ يسمّى شبه عمد ولا قود فيه، وفيه كفّارة، وتجبُ الدية عليه مغلظة على عاقلته وعليه الإثم.


قتل الخطأ

وهو: أن يفعل ما يجوز له فعله، من دق أو رمي صيد ونحوه أو يظن من يرميه مباح الدم فيبين آدميا معصوما فهو القتل الخطأ.

وهو: إمّـا أن يكونَ بمباشرةٍ، وإمّا أن يكون بالتسبب، ومنه يكون عمد الصبي والمجنون فكله قتل خطأ، وإن قصد جناية فشبه عمد وإلا فخطأ.

ويترتّب عليه الكفارة والدية على عاقلته ولا إثم عليه.


ومن قال لإنسانٍ: اقتلني أو اجرحني فقتلهُ أو جرحهُ لم يلزمه شيء، أي: ليس عليه قصاص ولا دية ولا تسقط عنه الكفار وعليه الإثم، وكذا لو دفع لغير مكلف آلة قتل ولم يأمرهُ به.


باب شروط القصاص في النفس

الشرط الأول: تكليف القاتل، فلا قصاص على غير مكلفٍ وكل زائل العقل بسببٍ يُعذر فيه.

الشرط الثاني: عصمة المقتول، بأن لا يكون حربيًّا ولا مرتدًا ولا زانيًا، فلا كفارة ولا دِية على قاتل حربي أو مرتد أو زانٍ محصن.

الشرط الثالث: المكافأة، وهي بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام والحرية.

الشرط الرابع: أن لا يكون القاتل أبا المقتولٍ وإن علا، كذلكَ لا يُقتص إن كانت أمّه وإن علت، ويُقتل الولد لقتل عمودي نسبه.


شروط استيفاء القصاص

القصاص: فعل مجني عليه أو وليّه بجانٍ مثل فعله أو شبهه.

شروطها:

الشرط الأول: تكليف المُستحق فإن كان صغيرا أو مجنونا حُبس الجاني حتى يَكبر أو يعقل، وإن احتاج لنفقة فلوليّ المجنون فقط العفو إلى الدية.

الشرط الثاني: اتّفاق المستحقين على استفائه، فلا ينفرد به بعضهم، وهم: من روث المال، فإن لم يكن لهُ ولي فوليّه الإمام.

 ويُنتظر قدوم غائب وبلوغ صبي، وإن عفا بعضهم ولو زوجا أو زوجة فإن القصاص يسقط.

ولو كانوا جماعة وعُفي عن بعضهم فلا يسقط عن الجميع.

الشرط الثالث: أن يؤمن أن لا يتعدّى إلى غيرِ الجاني، كما لو لزم القصاص حاملاً فلا تُقتل حتى تضع وتسقيه اللبأ ثم إن وجد من يرضعه قتلت؛ وإلّا حتى ترضعه حوليْن.

ويحرمُ استيفاء القصاص بلا حضرة إمامٍ أو نائبهِ، وإن خالف الوليّ القود واقتص بلا حضور الإمام فإنه يجزئ، وللإمام أن يعزّره.

ويحرم قتل الجاني بغير السيف، ولو قتَـل المجنيّ عليه بغير ذلك، ويضْرب فيه على عنقه، ويحرم على غيره، ويحرم قطع طرف الجاني بغير السكين.


باب شروط القصاص فيما دون النّفس

ويكون في نوعين:

الأول: الأطراف وهو الذي له مفصل أو حدّ ينتهِي إلى مفْصل كما في الأنف.

الثاني: الجروح، ويجبُ القصاص في النوعين بالشروط الأربعة التي ذكرناها، والأطراف كثيرة كالأنف والعين والأذن والسن والجفن.


شروطه:

الأول: العمد والعدوان فلا قصاص في غيره.

الثاني: إمكان الاستيفاء بلا حيف، فلا قصاص في جائفة، وهي: الجرح الذي يصل إلى الصدر أو البطن أو داخل الظهر، والجوف ما يقبل الشّغل والفراغ، ولا في قطع القصبة-قصبة الأنف-، أو قطع بعض عضد، أو قطع بعض الساق، أو بعض الورك.

الثالث: المساواة في الاسم فلا تقطع اليد بالرجل، وفي الموضع أي: اليمين باليمين والشمال بالشمال.

الرابع: مُراعاة الصحّـة والكمال أي: يستوي حال العضو المقود مع حالِ العضو الذي يُماثله عند الجاني في الصحة والكمال، فإن اختلفا فلا قصاص، فلا تؤخذ عين صحيحة بعين قائمة-لا يبصر منها-.

وإذا قطع إنسانٌ يدَ شخص فألصَقها والتحمت فلا يقتصُّ منه، ولو أفقد الجاني المجني عليه يده فإنه يقتص منه ولو أعادها.


القصاص في الجروح

يُشترط فيها أن ينْـتهي الجُرح إلى عظم فإن لم ينتهِ إلى عظم فلا يجوز القصاص، كالموضحة-وهي: الجرح الذي في الوجه أو الرأس إن أوضحَ العظم- فيقتصُّ منه، والهاشمة-وهي التي: توضِح العظم وتهشمهُ-، و المنقلة-وهي التي توضحُ العظم وتكسره وتنقل العظم عن مكانه- والمأمومة-وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ-.


والحقيقة أنّ الهاشمة والمُنقلة والمأمومة لا قصاص فيها، وكلام المؤلف فيه نظرإلّا إذا اقتصّينا في الهاشمة موضحة، والهاشمة فيها عشرة من الإبل، فيجوز أن نقتصّ منه موضحة ونأخذ على الهشم خمسة من الإبل، والمنقلة فيها خمس عشرة من الإبل فيجوز أن نقتصّ موضحة ونأخذ من الجاني عشرة من الإبل.


وإذا اقتصّيْنا من شخص فتفاقمّ الجُرح وسرَى للنفس وقتله فهو هدر، لكن سراية الجاني مضمونة ولو بعد أن طاب الجُرح.

ويحرم أن يقتصّ في جرحٍ أو طرفٍ حتى يبرأ، ويُعتبر قدر الجرح بالمساحة دون الكثافة.

ولا قصاص في الكسور إلّا في السن.


فصل

دية الحر المسلم طفلاً كان أو كبيرًا  مائة بعير، أو مائتا بقرة، أو ألف شاة، أو ألف مثقال ذهبا، أو اثنى عشر ألف درهم، هذه الدية إن أحضرها من لزمتهُ لزمَ وليّ الجناية قبولها، ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك، ودية الكتابي الحر كدية الحرة المسلمة، وجراحتُهم من دياتهم كجِراحات المسلمين من دياتهم.

ودية الكتابية على النصف، ودية المجوسي الحر ثماني مائة درهم، ومثلهُ عابد الوثن وغيره من المشركين، والمجوسي على النصف منهم أي: أربعمائة.

والمرأة في جراحها وأعضائها تساوي الرجل إن كانت دون الثلث، فإذا بلغت الثلث فتَتنصف الرجل مباشرة.

وتُغلّط دية قتل الخطأ في كلٍ من: حرمِ مكة، وإحرام، وشهر حرام، قال الشيخ منصور والمراد: بالخطأ هنا ما يعمّ الخطأ وشبه العمد، وتعقبه الخلوتي: أنّ هذا الظاهر يُخالف ظاهرَ المتن-متن المنتهى- فعلى كلامه يخرج العمد وشبه العمد.

القول الثاني: ذكره في الإقناع بعد تقديم المذهب، أنه لا تغلظ الدية في ذلك، واختاره جمع.


وإن قتل مسلم كافرا عمدا أُضعفت ديته، قال الشيخ منصور: ولا إضعاف في جراحه.

وقيل: تضعف إن كانت عمدا، لزوال القود فلا يقتص منه.

ودية الرقيق قيمته قلّت أو كثرت.


فصل

ودية الجنين ذكرا كان أو أثنى، غرّة قيمتها: عُشرُ دية أمّه، والغرّة: عبد أو أمة، وإن دفع بدل الغرة دراهم ورضي المدفوع إليه جازَ.

ويجبُ في جنين الدابة على الجاني ما نقص من قيمة أمّه.

 

دية الأعضاء

وهي: جمع عضو، يُشترط فيها أولا: أن تكون المنفعة في العضو؛ وإلّا فالواجب فيه حكومة، إلّا الأنف والأذن فإن كانا أشلّين ففي قطْعهما دية لبقاء جمالهما لو بعد الشلل.

ثانيا: أن يكون العضو أصليا، فإن كان زائدا ففيه حكومة.

ثالثا: أن لا يردّ المجني عليه العضو المقطوع منه، فإن ردهّ ففيه أرش نقصه.


من أتلف ما للإنسان منه شيء واحد كالأنف، واللسان، ففيه دية كاملة، ومن أتلف ما للإنسان منه شيئان كاليدين والرجلين، والعينين، ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها، سواء كان القطع في اليد من الكوع أو المنكب أو ما بينهما.

يُستثنى من ذلك: قلع عيْن الأعور ففيها الدية كاملة، ولو قلع الأعور العين الصحيحة المماثلة لعينه عمدا فلا قصاص، وعليه الدية كاملة، وإن كان خطئا أو شبه عمد فنصف الدية.

 وما فيهِ ثلاثة كالأنف ففي كل من واحد منها ثُلث الدية، وفي الأجفان الأربعة الدية كاملة، وفي أحدها رُبعها، وما فيه خمسة في كل منها خُمس الدية كالمذاق، وفي أصابع اليدين الدية وفي أحدها العُشر.


وفي الظفر إذا خلعه ولم يعد أو عاد أسودا خُمس دية الإصبع-بعيران نصا-، ودية السنّ خمس من الإبل.


ويشترط لوجوب دية الأسنان شروط كثيرة جدامنها:

أولا: اليأس من العود، الثاني: أن تكون السنّ صحيحة، الثالث: أن لا تكون  سوداء ولا كالّة.

الرابع: أن تكون ثابتة غير متحركة، بفعل جان قبله، الخامس: أن يكون فيها بعض النفع من المضغ وحفظ الطعام والريق، السادس: أن تكون كلها باقية وإن كانت ناقصة، سقط منها بقدر ما نقص.


وتندرج دية نفع العين بالعين، واللسان بالكلام، وكذا سائر الأعضاء إلّا الأنف والأذن فلو قطع الأنف وذهب منه الشم فديتان.


شروط دية ذهاب المنفعة 

الأول: أن تذهب المنفعة كلها، وإن عُلم قدر الذاهب ففيه حكومة، الثاني: أن ييْئس من عودة هذه المنفعة.

فصل..

الشجة هي: اسم لجرح الرأس والوجه خاصة-وقد يطلق على غيرهما-، وهي: الحارصة، التي تحرص الجلد أي تشقّه ولا تدميه، ثمّ البازلة الدامية وهي التي تُدمي الجلد، ثم الواضعة وهي التي تضع اللحم أي: تشقه بعد الجلد، ثم المتلاحمة وهيَ الغائصة التي تدخل في اللحم دخولا كثيرا، ثم السمحاق وهي التي بينها وبين العظم جلدة رقيقة، وهذه كلها فيها حكومة.

الحكومة: أن يُقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية عليه، ثم يقوّم والجناية به فالواجب مثل نسبته من الدية.


ما فيه الدية:

الموضحة: وهي التي توضح العظم وتبرزه، ولا يشترط إيضاحها للناظر، وفيها نصف عشر الدية من ذكر أو أنثى، وإن كان بعضها في الرأس وبعضها في الوجه فموضحتان.

الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتبرزه وتهشمه، وفيها عشرة أبعرة.

المنقلة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله وفيها خمسة عشر بعيرا.

المأمومة: وهي التي تصل إلى جلد الدماغ، وفيها ثلث الدية ، الدابغة: وهي التي تخرق الجلد، وفيها الثلث.


فصل

وفي الجائفة ثلث الدية، وهي: كل ما يصل إلى الجوف، وهو ما بطن منه ممّا لا يظهر للرائي، كداخل بطن وصدر وحلق.


باب العاقلة

العاقلة هم: ذكور عصبة الجاني نسبا وولاء.

وهُم لمن غرم ثلث دية فأكثر بسبب جناية على غيره.

شروط من يعقل: أن يكون ذكرا مكلفا حرا غنيا-وهو من ملك نصابا زكويا عند حلول الحول فاضلا عن حاجته- وأن يكون موافقا لدين الجاني.

ولا تحمل العاقلة عمدا، ويُستثنى عمد غير المكلف فتحمله العاقلة، ولا تحمل العاقلة قيمة متلف من عبد ودابة ونحو ، وتحمل الخطأ وشبه العمد. 

ويبدأ الحاكم بالتحميل الأقرب فالأقرب، وتؤخذ من بعيد لغيبة قريب، ويرجع لاجتهاد الحاكم.


فصل في كفارة القتل

لا كفارة في قتل العمد وتجبُ فيما دونه، ويكفّر الرقيق بالصوم، والكافر بالعتق، ولا تدخله النيابة، وتتعدد الكفارة بعدد المقتول، وإن تشارك مجموعة بقتل إنسان فعلى كلٍ منهم الكفارة، ويكفّر عن الصبي وليّهُ.

ولا كفّارة في قطع طرف ولا في قتل بهيمة، ولا على من يباحُ قتله كزان مُحصن بعد ثبوته عند الحاكم، ومرتد ونحوه.


شروط وجوبها: أولا: أن يكون الفعل قتلا مباشرة أو تسبّبا، ثانيا: أن يكون خطأ أو شبه عمد، ثالثا: أن يكون المقتول مضمونا، وهو: المسلم والذمي والمعاهد. 


كتاب الديات

وهي: المال المؤدّى إلى مجنيٍّ عليْـه أو وليّه بسبب جناية، أجمع العلماء على وجوبها في الجملة.

من أتلفَ إنسانا-مسلما أو ذمّـيا أو معاهدًا أو أتلف جزء منه- بمباشرةٍ أو تسبّب في إتلافهِ فالدّية في ماله حالّة، وإن كان بالخطأ أو شبه العمد فعلى العاقلة.

وإن ماتت حامل أو حمْلها من ريحِ طعام ضمِن ربّه إن كان يعلم أنّها تموت من ريحه أو حملها، وإن كان يعلم أنها موجودة.


كتاب الحدود

وهي في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدّرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها.


موجبات الحد

الزنا والقذف، والسرقة وقطع الطريق، وشرب المسكر، والبغي، والردّة.


شروط من يـُقام عليه الحد

أولا: أن يكن مكلفا-وهو البالغ العاقل-، ثانيا: أن يكون ملتزما بأحكام المسلمين وهو: المسلم والذمي.


والمستأمن لا يُقام عليه حد الزنا-ما لم يزني بمُـسلمة-، ويقامُ عليه حدّ القذف والسرقة، وكذلك ما أتلفه من أموالٍ فإنه يضمنُها.

ثالثا: أن يكون عالمًا بالتّحريم إذا كان مثله يجهل تحريم هذا الحد، ويكفي أن يعلم أنها محَرّمة ولو لم يكن يعلم العقوبة المقدّرة.

وتحرُم الشفاعة وقبولها في حد لله تعالى بعدَ أن يبلغ الإمام-أي أن يثبت عنده-، وتجب إقامة الحد ولو كان من يقيمه شريكا في المعصية بل ولو كان معينًـا له، ولا يجوز أن يُقيمَه إلّا الإمام أو نائبه.

وأشدُّ الجلد في الحدود هو: جلد الزنا، ثم يأتي بعده القذف.

ويُضْـرب الرجل قائما بالسوط، يشترط أن لا يكون من الجِلد وإنّما من نوع الشجر، وأن لا يكون فيه ثمر أو أشواك، وأن لا تكون عصا، ويستحب أن لا يكون جديدا ولا قديما، ويجب اتقاء الوجه.


ويشترط في الجَلد: أولا: النية للضارب وتكون من الحاكم -القاضي- ثانيا: التأليم.

والمذهب: لا تشترط الموالاة في الجلد.


وتُضرب المرأة جالسة على ظهرها وجنبها، وتُشدّ عليها ثيابها وتمسك يداها-لأن لا تنكشف- ويحرم بعد الحد حبس وإيذاء بكلام، والحد كفارة لذلك الذنب.

ومن أتى حدًّا ستر نفسه استحبابا، ولا يسنُّ أن يقرَّ به عند الحاكم.

ومن قال للحاكم أصبتُ حدًا لم يلزمه شيء ما لم يُبينهُ.

وإن اجتمعت حدود لله من جنس واحد فيكفيهِ حدُ واحدُ، ما لم يحُد فلو حُدّ ثم عاد فيجلد مرة أخرى.


وإن لم تكُن من جنسٍ واحدٍ فإنّهُ تقام عليه جميع الحدود، الأخفّ فالأخف ما لم يكن فيها قتل فيُستوفى منه القتل فقط.


حد الزنا

وهو: فعل الفاحشة في قُبل أو دبرٍ.

إذا زنا المُحصَن وجبَ رجْمه حتى يمُوت، ولا يُجلد ولا يُنفى، وتكون الحجارة متوسطة.

والسنة أن يدور الناس عليه من كل جانب، وإن ثبت بإقراره ثم رجع فيترك لا إن ثبت ببيّنة.

والمُحصن: من وطأ زوجته في قُبُلها بنكاح صحيح وهما حران مكلّفان.

 وإن زنا الحر الغير محصن جُلد مائة وغرّب عامًا، ولو كانت أنثى تغرّب مع محرمها.

وإن زنا الحربيّ فلا شيء عليه، وإن زنا المحصن بغير محصنة فلكلٍ حكمه.

ومن زنا ببهيمة عُزّر وتقتل البهيمة ولا تؤكل.


شروط وجوب الحد على الزاني

الشرط الأول: تغييب الحشفة الأصلية أو قدرها في فرج أصلي لآدمي، الشرط الثاني: انتفاء الشّبهة، بأن يطأ امرأة محرّمة عليه وطأً لا تخالطه أدنى شُبهة.

الشرط الثالث: ثبوته، إمّا بإقرارِ مكلف أربع مرات وأن يستمر على إقراره.

الشرط الرابع: أن يكون مختارًا فلا يقر وهو مكره، الشرط الخامس: أن يصرّح بذكر حقيقة الوطء.

الشرط السادس: شهادة أربع رجال عدول في الظاهر والباطن، وأن يشهدوا في مجلس واحد، وأن يصِفون حقيقة الزنا فإن كان أحدهم غير عدل حُدّوا لعدم كمال شهادتهم.

         وإن حملت من لا زوج لها فلا تُـحد فلعلّها أُكرهت أو وطئت بشبهة.


حد القذف

وهو: الرمي بزنا أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البـيّنة، وهو: كبيرة.

ويجبُ الحدُّ على القاذف ولو كان أخرسًا بإشارةٍ مفهومة.

 ويشترط أن يكون بالغا عاقلا مختارًا، ليس بوالدِ المقذوف وإن علا، ولا يجب التعزير.

ويشترط أن يكون المقذوف حرًا مسلمًا عاقلاً عفيفًا عن الزنا ظاهرا يوطء ويطأ مثله.

ومن قذَفَ غير محصن عُزّر، ويثبت الحد هنا-في القذف والشرب والتعزير- إمّا بإقراره مرة، أو شهادة عدلين في الظاهر والباطن.

وكل الحدود إذا رجع عنها المُقر لم يحد؛ إلّا القذف لتعلّقه بحق الآدمي.

ويسقط حد القذف بالعفو-وإن طالب بعد- أو بتصديقه أو إقامة البينة، ويسقط باللعان إن كان زوجا.

ويحرم قذفُ الحرّ المُسلم العفيف، ويجب على من يرى زوجته تزني في طهرٍ لم يجامعها فيه ثم تأتي بولد يشبهُ الزاني، ويباح إذا رآها تزني ولم تلد بما يلزمه نفيه، وفراقها أولى من قذفها، وإن أتت بولد يُخالف لونهُ لونهما لم يبح له القذف إلّا بقرينةٍ.

وألفاظ القذف: منها ما يكون صريحًا وهو: اللفظ الذي لا يحتمل غير القذف.

وكنايتهُ: ما احتملت القذف وغيره، فإن أراد بهِ حقيقة الزنا حُد وإلـّا يُعزّر، وإذا سُئل فقال: أردت حقيقة الزنا فإنّه يُحد، وإن فسره بمُحتمل غير القذف فإنه يعزّر، وإن نكل وسكت فلا يحد ويعزّر.

ومن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يُتصوّر منهم الزنا يعزّر ولا يُحد.


حد المسكر

والسكر: اختلاط العقل، وهو: محرم.

من شرِب مسكرًا مائعا، أو استعاطَ به، أو احتقن، أو أكل عجينا ملتوتا به فإنّه يحدُّ ثمانين جلدة بشرطِ أن يكون مسلمًا مكلفًـا عالمًا أن كثيره يُسكر.

ويجبُ التّعزير في كل معصية لا حدّ فيها ولا كفارة.


باب التعزير

والتعزير: التأديب، وهو من حقوق الله تعالى لا يحتاج في إقامته إلى مطالبة.

ولا يُعزّر الوالد بمعصية لا حدّ فيها ولا كفارة، وإنّما الحاكم الذي يعزّر بإقرارهِ أو ببيّنة.

وإن رأى الإمام العفوَ عنهُ لمصلحةٍ جازَ ولا يزيد على عشرة أسواط، إلّا إذا وطئ أمة له فيها شرك فـ مائة إلا واحدة، وإذا شربُ مُسكرا في نهار رمضان فيعزّر بعشرين مع الحد-حد الخمر-، ويُنادى عليه بذنبهِ.

ويحرم حلق لحيته وقطع طرفه وجرحه وأخذ ماله.

ومن الألفاظ الموجبة للتعزير: يا كافر يا فاسق يا خبيث يا كلب ونحوها.


حد السرقة

وهي: أخذُ مال الغير من مالكه أو نائبه على وجه الاختفاء.

فلا قطع على منتهب، ولا مختطف، ولا على خائن في وديعة، ويقطع جاحد العارية.

وشرط كون السارق مكلفا مختارا عالما أنّ ما سرقه يساوي نصابا، وكون المسروق مالا محترما، وهو: الذي يباح عينه ونفعه ومالكه يصح تملّكه.


ولا قطع بسرقة الماء، ولا بإناء فيه خمر، ولا بسرقة مصحف، ولا ما عليه من حليٍّ ولا بكتبِ بدعٍ وتصاوير، ولا آلة لهو ولا صليب وصنم.

ويُشترط للحد كون المسروق نصابا وهو: ثلاثة دراهم أو ربع دينار، وتُعتبر قيمة المسروق حال إخراجه من الحرز، فلو سرق من غير حرز فلا قطع.

وإن اشترك جماعة في إخراج النصاب قطعوا جميعا.

وتشترط انتفاء الشبهة، وهي: كل ما يمكن أن يجعل للسارق حقًا في المسرُوق.

 فلا قطع في سرقة مال فروعه وأصوله، ولا بسرقة مال له فيه شرك.

وتثبت إمّا بشهادة عدلين ويصِفانها، وأن يتقدّم الشهادة دعوى من مالك المسروق، وأن يكونا رجلين.


 وتثبت بإقرار السارق مرتين، ويشترط أن لا يرجع عن إقراره فلو رجع ولو أثناء الحد فيترك، ويشترط أن يصف السارق السرقة.

ويشترط مطالبة المسروق منه بماله، ولا قطع عام مجاعة وغلاء.


فمتى ما توفّـرت هذهِ الشروط قُـطعت يدُه اليُمنى من مفصل الكف، وغُمست وجوبا في زيت مغلي، وسن تعليقها في عنقه ثلاثة أيام، فإن عاد قُـطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه، فإن عاد حرُم أن يقطع وحبس حتى يموت أو يتوب.

ويجتمع القطع والضمان فيردّ ما أخذه لمالكِه إن كان باقيًا وإلا فقيمته ويعيد ما أتلفهُ من حرز.

 

حد قطاع الطريق

وهم: من توفّرت فيهم صفات معيّنة.

وهم: المُكلّـفون المُلتزمون بأحكام الإسلام الذين يَخرجون على الناس بسلاح ولو عصا أو حجرا،-وسواء كان خروجهم بالصّحراء أو البنيان أو البحر أو الجو- ويأخذون أموال الناس مُجاهرة.

أحكامهم:

إن قتلوا ولم يأخذوا مالاً تحتم قتلهم جميعًـا، ولا ينظر لعفو وليّ الدم ولو كان الذي قتل والد المقتول، وإن كانوا غير مكافئين للمقتول.

وإن قتلوا وأخذوا مالًا تحتّم قتلهم وصلبهم حتى يشتهروا، والصّلب: يُشترط فيه أن يكون المقتول مكافئا للقاتل.

وإن أخذوا مالًا ولم يقتَـلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف حتما في آنٍ واحد.

وإن أخافوا الناس فقط نُفوا من الأرض-كلما دخلوا بلدا أُخرجوا منه-، ومن تاب قبل القُدرة عليه سقطت عنه حقوق الله، وأخِذ منه حقوق الآدميين.

ومن قُصد بأذى  في نفسه أو ماله-ولو قل- أو حريمه، بزنا أو قتل فله دفعهُ بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتلَه فلا شيء عليه، وإن قتل المصول عليه كان شهيدا.



باب قتال البغاة 

وهم: الظلمة الخارجون عن طاعة الإمام المُعتدُون عليه.

يُشترط في قتالهم: أولا: أن يخرجوا على الإمام يُريدون خلعهُ أو مخالفته، ولو كان هذا الإمام غيرَ عدل.

ثانيا: أن يكون خروجهم بتأويل سائغ، يكُون عذرا لهم لهذا الخروج، سواء كان خطأ أو صوبا. 

وهو لا يخرج عن أمرين: الأول: أن يدّعوا أنه مُضيع لأحكام الله، وترك إنكار المنكرات.

الثاني: أنه يظلم الناس، كأن يكون بخيلا عليهم، ولا يوصل إليهم حقوقهم، هذان الأمران ما نعني بهِ التأويل السائغ.

الثالث: أن يكون لهم شوكة، وهيَ شدة البأس، والجدّ في السلاح.

وإذا خرجوا بلا تأويل سائغ كأن خرجوا ليُنصّبوا مثلا حاكما منهم فهؤلاء يُعاملون معاملة قطّاع الطريق.


ونصْب الإمام فرض كفاية على المسلمين، ويثبتُ نصب الإمام باجتماع أهل الحل والعقد عليه، وبالنص عليه ممّن كان قبله، وبِجعل الأمر شورى بعددٍ محصور، ويثبتُ نصْبهُ بأن يظهرَ على الناس بسيفه-يقهرهم- حتى يتفقوا على دعوته إمامًا ويُذعِنوا له.


ويُعتبر كون الإمام قرشيًا، ولو تولى غير القرشي وجبت طاعته، وأن يكون بالغا عاقلا، سميعا بصيرا ناطقا، فإذا فقد شيئا منها انعزل.


ويشترط أن يكون حُرًا ذكرا وأن يكون عدلا، وأن يكون عالما بالأحكام، قائما بالحروب والسياسة، ولا ينعزل بفسْقهِ، وهو وكيل عن المسلمين، وله أن يعزل نفسه.


ويَلزم الإمام أن يُراسل البغاة-بالكلام أو الكتابة- وإزالة شُبههم، وما يدّعونه من مظالم، ولا يجوزُ له أن يُقاتلهم قبل ذلك إلّا أن يخاف شرّهم، فإن رجعوا وإلّا لزمه قتالهم وقبل ذلك يعِظهم ويخوفهم، ويؤخر القتال قدر الإمكان.


ويجبُ على رعيّته معاونته عليهم، وإذا ترك البغاة القتال إمّا بالرجوع إلى الطاعة أو العجز أو إلقاء السلاح فيحرم قتلهم، وقتل مدْبرهم-وهو من انكسرت شوكته- وقتل جريحهم، ولا يُغنم مالهم ولا تسبى ذراريهم، ويجبُ رد ذلك إليهم.

ويحرمُ الاستعانة عليهم بكافر إلّا لضرورة، كعجز أهل الحق عنهم، ولا يضمن البُغاة ما أتلفوهُ حال الحرب، ولا ضمان على أهل العدل ما أتلفوه لهم أي: للبغاة .


وإن نصبوا قاضيا وحكم بين الناس فإن أحكامهم تمضي خلاف الخوارج، ومن قُتل من أهل العدل-الذي مع الإمام- فإنّهُ شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه ويُدفن في ثيابه.


باب حكم المرتد

وهو لغة: الرّاجع، وشرعا: من كفر بعد إسلامه.

أجمع العُلماء على قتل المُرتد، ويحصل الكفر بأمور:

 أولا: سب الله تعالى أو رسوله أو لِما جاء به، أو سب ملائكته، أو ادّعاء النبوة، أو تصديق من ادعاها، أو من ادعى أنّ لله شريكا.

ثانيا: الرّدة بالفعل، كالسجود للصنم أو الشمس ونحوه، ثالثا: الردة بالاعتقاد، كاعتقاد شريكا لله تعالى، أو حِل الزنى أو الخمر.

رابعا: يحصل الكفر بالشك، وهو التردد في شيء من ذلك، وهو مُقيد بأَن يكون مثله لا يجهله.


فإن فعل أحد هذه الأشياء مكلفٌ عاقل أُستتيب ثلاثةَ أيام، فإن تابَ فلا شيء عليه، ولا يُحبط عمله، ويحبط العمل إن اتّصلت الردّة بالموت.

وإن أصرّ على الردة قُتل بالسيف، إلّا رسول كفار فلا يُقتل ولو مرتدا.

ولا يجوز أن يقتله إلّا الإمام أو نائبه، فإن قتله غيرهما بلا عذرٍ أساء وعزّر، ولا ضمان ولو كان قبل أن يُستتاب.


ويصحّ إسلام المميز-الذي يعقل الإسلام من ذكر أو أنثى-، وتصحّ ردّته ولا يُقتل حتى يُستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام.

وتوبة المرتد والكافر: أن يأتي بالشهادتين، ولايُشترط أن يأتي بلفظ الشهادة، فقوله: أنا مسلم يحصل به الإسلام، ويشترط أن يرجع عن ما كفَر به، كما لو جحد وكفر بشيء من الفروض.

 وإن كتبَ الكافر الشهادتين صار مسلما لأنّ الخط كاللفظ، وإن قال أسلمت أو أنا مسلم أو أنا مؤمن صار مسلما.


والزنديق الذي يُظهر الإسلام، ويُخفي الكفر لا تقبل توبته في الدنيا، لأنّه لا جديد لنا سيعمله، لكنه إن كان صادقا فيقبلها الله له.

كذلك لا تُقبل توبة من تكررت ردّته ثلاثا، وكذلك لا تُقبل من سب الله سبا صريحا، ومن سب النبي-صلى الله عليه وسلم-، حتى لو سب غير الرسول من الأنبياء، أو أحدَا الملائكة، ويُقتل حتى لو كان كافرا فأسلم، ولا تقبل توبته.

وتثبت الردة إمّا أن يُقر على نفسه، أو بالبينة وهي: أن يشهد عليه رجلان عدلان.


كتاب الأطعمة

الأصل بها الحل، ويُباح كل طعام طاهر غير مستقذر لا مضرّة فيه.

ويحرمُ النجِس كالميتة والدم، ولحم الخنزير، والبول والروث بلا ضرورة.

ويحرم من الحيوانات: الحُمر الأهلية إجماعا، وما يفترس بنابه، والقرد ولو صغيرا، ودبّ، وابن آوى، وابن عرس، والقط ولو بريا، وثعلب، وسنجاب، وسنور.

ومن الطير: ما يفترس بمخلبه، كعقاب وصقر ونحوه.


 ويحرم ما يأكُل الجيف، ويحرم ما تستخبثهُ العرب ذوو اليسار من أهل القرى والأمصار كالخفاش والفأر، وحية وقنفذ والحشرات-وهي صغار دواب الأرض-.

ويحرمُ كل ما أمَر الشرع بقتْله كالفواسق، وكل ما نهى الشارع عن قتله كالنمل والضفدع.


ويحرم ما تولّد من مأكول وغير مأكول كالبغل.

ويباحُ أكل بهيمة الأنعام، والخيل والضبع والزرافة وأرنب ووبر ويربوع، وبقر وحش، وحمره وضب، والغزلان وباقي الطير كالنعام والدجاج.

ويحل كل ما في البحر، غير ضفدع؛ لأنه مستخبث، وحية وتمساح، وما عداه فيحل.


وتحرمُ الجلالة وهي التي أكثر غذائها النجاسة، حتى تُحبس ثلاثا، وتُطعم الطاهر، وتمنع النّجاسة.

ويكره أكل تراب وفحم، وطين، لضرره، وبصل وثوم ما لم ينضج بطبخ.

ويجبُ أن يأكل من المحرّم ما يسد به رمقه، إن أمِن معه التلف، وله أن يتزود إن خاف الحاجة.

ومن اضطر إلى نفع مال غيره مع بقاء عينه وجب على ربهِ بذله له مجانا، ما لم يكن صاحبه مضطرا له.


وتجبُ ضيافة المسلم المسافر على المسلم، ولا تجب للذمي، ويشترط أن يكون في القرى دون الأمصار، وهي: يوم وليلة، وهي قدر كفايته، والضيافة هي الطعام ، ولا يجب السكن وأن ينام عنده، إلّا إن لم يجد الضيف فندقا أو مسجدا، فحين إذٍ يجب إنزاله، وتستحب الضيافة ثلاثة أيام بلياليها.



باب الذكاة

وهي: ذبحُ أو نحر الحيوان المقدورِ عليْه، وأصلُ الذكاة تمامُ الشيء.

وشرعا: ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه.

فالذّكاة تكون على ثلاثة أنواع:

الأول: الذبح، وهو قطع المريء، وهذا يكون فيما عدا الإبل.

الثاني: النحر، وهو أن يضربها في الوهدة التي بيْن أصل العنق والصدر.

الثالث: العقر، وهو بجرح الحيوان غير المقدور عليه في أيّ موضع كان في بدنه.


شروطها:

الأول: أهلية المُذكي، بأن يكون عاقلا مميزا، قاصد للذكاة.

 الشرط الثاني: الآلة، وهيَ أن يذبح بمحدد، ويحل الذبح بكل محدّد-ولو كان منهيًّا عنه كما لو كان مغصوبا- من حجر وقصب وعظم، ولا يصح الذبح بالسنّ والظفر.

الشرط الثالث: قطع الحلقوم، -وهو مجرى النفس- والمريء، ويكفي قطع جزء منهما، ويحلّ ذبح ما أصابه سبب الموت كالمُنخنقة، ونحوها إن ذكّاها وفيها حياة مستقرة.


ضابط الحياة المستقرة: أن يكون فيها حركة قبل أن يُذكيها تزيد على حركة المذبوح.

وما عُجز عن ذبحه، كواقع في بئر، أو متوحش بجرحه في أي محل كان، فلا بد أن يُجرح بآلة الذكاة.


الشرط الرابع: قول الذابح عند حركة يده: بسم الله، ولا يُجزء غيرها، ويستحب أن يكبّر، ويشترط قصد التسمية على ما يذبحه، وتجزئ بغير العربية ولو أحسنها، وتسقط سهوا لا جهلا.

وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه، وإن خرج حيا حياةً مستقرّة لم يُبح إلّا بذبحه. 

ويكره الذبح بآلة كآلة-ليست حادة-، وأمام حيوان آخر، وكسر عُـنقه وأي عضو منه قبل زهوق نفسه.

وسن توجيهه إلى القبلة، على  جنبه الأيسر، والإسراع في ذبحه، وما ذبح فغرق أو تردّى من علوٍ لم يحل، وفي رواية: يحل. 

 

كتاب الصيد

وهو: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعا غير مقدور عليه وغير مملوك.

وهو مباح بالإجماع لقاصده، وأمّا من يصيد لهوًا فالحكم بحقه مكروه، ويحرم ما إذا كان في الصيد ظلم للناس بالعدوان على زرُوعهم وأموالهم.


والحيوان المصيد أفضل المأكول، لانتفاء الشّبهة فيه، ومن أدرك صيدهُ مجروحًا وفيه حركة أكثر من حركة المذبوح، وهناك وقت متسع لتذْكيته لم يبح إلّا بتذكيته، وإن لم يتسع الوقتُ بأن مات في الحال حلّ بأربعة شروط:

الأول: كون الصائد أهلا للذكاة حال إرسال الآلة، وأن يكون الصائد حلالا لا مُحرِما.

الثاني: الآلة، وهي نوعا: أحدهما: ما له حد يجرح، كسيف وسكين وسهم، الثاني: الجارحة المعلمة.

ومن رمى الصّيد فحبسه ثم رماه ثانيا فقتله لم يحل لأنه صار قادرا على تذكيته.

الجارحة المُعلمة: ما يصيده بنابه أو بمخلبه من الطيور ككلب غير أسود، وفهد وباز وعقاب وشاهين.


وتعليم الكلب والفهد بثلاثة أمور: بأن يسترسل إذا أُرسل، وأن ينزجرَ إذا زُجر، وإذا أمسك الصيد فلا يأكل، ولا يشترط أن لا يأكل في الطير، ويشترط أن يجرح الجارح هذا الصيد فلو خنقه لم يُبح.

الشرط الثالث: أن يقصد الفعل، الشرط الرابع: قول بسم الله عند إرسال الجارحة، أو عند رمي آلته، ولا يعُذر بترك التسمية سهوا .

 

كتاب الأيْمان 

واحدها يمين وهي: القسم، وشرعا: تأكيد حكمٍ بذكرٍ معظّم على وجه مخصوص.

الأصل فيها الإجماع، وتنعقدُ بالقرآن والكتب المنزّلة، ومن حلف بمخلوق أو الكعبة ونحوها حرُم ولا كفارة إن حنث، والحلف بالطلاق والعتق مكروه. 

شروط وجوب الكفارة:

الأول: كون الحالف مكلفا، ويصح من المميز، الثاني: كونه قاصدا لليمين، فإن نوى الإكرام والتودد فلا تنعقد اليمين، والمذهب إن قصد بيمينه الإلزام فتنعقد.

الثالث: كونه على أمر مستقبل، لا على فعل ماض، الرابع: الحنث، وإن لم يعين وقتا لم يحنث حتى ييأس من فعله. 

ومن  حلف وأتى بلفظ المشيئة واتصل اليمين بقوله: إن شاء الله لم يحنث.

ولا تنفع المشيئة في الطلاق كأن يقول: أنت طالق إن دخلت بيت فلان إن شاء الله، وكذا الحالف في العتق.


فصل

ومن قال: طعامي عليّ حرام ونحوه، فلا يحرُم، فمن حرّم على نفسه شيئا مباحا لا يحرم، وهذا يكون يمينا وعليه كفارة يمين إن فعله، ويجوزُ فعله قبل التكفير.

ومن قال: أنا يهودي أو كافر أو نحوه إن فعل كذا فقد ارتكب محرّما، وعليْه كفارة يمين إن فعل ما نفاه أو ترك ما أثبتهُ، ويجب عليه أن يتوب من هذا الفعل، وقيل: لا كفارة عليه.

ومن أخبر عن نفسه أنه حلف بالله ولم يحلف فكذبة لا كفارة فيها، لا إن قال: أنا حلفت بالطلاق فيَنعقد، ولا يدخل الحلف في الطلاق الكفارة.


فصل

كفارة اليمين هي: إطعام عشرة مساكين، ويشترط في المُطعم الإسلام والمسكنة وأن يكون حرا.

 ولكل مسكين مد من البر أو نصف صاع من غيره، أو كسوتهم، وهو ثوبٌ للرجل يجزئه صلاته المكتوبة فيه، وللمرأة درع وخمار تجزئها الصلاة فيهما، أو تحرير رقبة مؤمنة، فإن لم يجد وعجز؛ صام ثلاثة أيام متتابعة وجوبا، وإخراج الكفارة بعد الحنث أو قبله سواء في الفضيلة.

ومن حنث بألف يمين ولو بأفعال مختلفة أجزأه كفارة واحدة، والقول الثاني: يٌكفّر لكل يمين واحدة.


باب جامع الأيْمان

 إذا حلف الإنسان فأوّل ما يُرجع إلى نيّته بشرط أن لا يكون ظالما.

ويشترط أن يحتمل لفظهُ النية، فإن كان لا يحتمل نيّته كأن يقول: والله لا آكل خبزا، فنقول له: يمينك على ما تلفّظت به.

وإن حلف لا يدخل دار فلان وقال: اليوم قُبل حكما، فلا يحنث، فالنية خصصت هذا اللفظ العام، وقد يكون اللفظ  خاصا والنية تعممه؛ كمال لو قال لزوجته: والله لا عُدت رأيتك تدخلي دار فلان، ينوي منعها، فاللفظ خاص، فلو دخلتها حنث ولو لم يراها، فالنية أسبغت على هذا اللفظ الخاص.

ولو قيل له: أَنّهُ مماطل  فحلف ليقضين زيدا غدا فقضاه اليوم، لم يحنث، لمعرفة سبب اليمين بأن يستعجل في قضائه.

فالقاعدة: العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ فيما لو كان اللفظ أعمّ من السبب. 

فإن عدمت النيّة والسبب الذي هيجها يُرجع إلى التعيين، ويعرف بالإشارة أو الإضافة.

فإن عدم النية والسبب والتعيين، رُجع إلى ما تناوله الاسم الذي حلفه أو حلف به الحالف، وهو ثلاثة: شرعي فعرفي فلغوي، فيُحمل هذا اللفظ على المعنى الشرعي الصحيح منها-لا الفاسد ولا الباطل- وذلك ما لم يعني المعنى اللغوي، فإن حلف لا أنكح ولا أبيع ولا أشتري فعقد عقدا فاسدا أو باطلا لم يحنث. 


فإن عدم المعنى الشرعي فيُقدّم المعنى العُرفي وهو ما اشتهر حتى غلب على حقيقته، فمن حلف لا يطأ امرأته حنث بجماعها، أو لا يدخل بيتا حنث بدخول المسجد، أو لا يضرب فلانه فخنقها حنث.

فإن عدم العرف رجع للغة، فإن حنث أن لا يأكل لحما حنث بأكل أي لحم، وحلف أن لا يتغدى فأكل بعد الزوال لا يحنث.

من حلف أن لا يكلم فلانا فراسله أو كتب إليه حنث. 


باب النّذر

وهو في اللغة: الإيجاب، وفي الاصطلاح: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم بأصل الشرع.

والأصل فيه: الإجماع، قال تعالى: {يُوفُونَ بالنّذر}.

ينعقدُ بالقول والإشارة المفهومة من الأخرس، وليسَ له صيغة خاصة بل ينعقد بكل ما أدى معناه.

وهو مكروه، لنهيِ النبي-صلى الله عليه وسلم- عنه، وحرّمهُ طائفة من أهل الحديث.

شروط انعقاده:

الشرط الأول: القول، فلا تكفي النية، الشرط الثاني: أن يكون الناذر مكلفا، الشرط الثالث: أن يكون مختارا، الشرط الرابع: أن يكون المنذور شيئا غير مُحال، فإن كان محالا فلا يصح، وقيل: يصح النذر من الكافر.


أنواعه:

أحدها: النذر المطلق، وهو: النذر الذي لم يسمي فيه المنذور، سواء كان مطلقا أو معلقا، كقوله لله علي نذر، فهذا تلزمه كفارة يمين.

الثاني:نذر لجاج وغضب، وهو: تعليق النذر بشرط يقصد فيه المنع من شيء أو الحمل على شيء، أو تكذيب خبر معيّن، أو تصديق خبر معين-إن كلمتك فعلي لله نذر- يقصد منع نفسه، فيُخيّر بيْن الفعل أو كفارة يمين. 

الثالث: نذر فعل مباح، سواء كان معلقا أو مطلقا-لله علي إن ركبت سيارة فلان أن ألبس ثوب-، فإن كان مطلقا فحتى يتحلل من هذا النذر أن يفعل ما نذرَه، أو لا يفعل ويُكفّر كفارة يمين.

الرابع: نذر مكروه، كطلاق ونحوه، فيُسن أن يكفّر ليخرج من عهدة النذر ولا يفعل.


الخامس: نذر المعصية، لله عليّ أن أشرب الخمر، ويحرم ويصح خلافا للجمهور، ويلزمهُ أن يكفّر كفارة يمين إن لم يفعله، وإن وفّى فإنه يأثم ولا كفارة، ويقضي الصوم.


السادس: نذر تبرر، وهو التقرّب، كصلاة وصيام واعتكاف، بقصد التقرب، سواء كان مطلقا-لله على أن أتصدق بريال- أو معلقا -إن نجحت فسوف أتصدق- أو قصد حصول نعمة أو دفع نقمة، فيجب الوفاء به.


صيغ النذر

الأولى: لله عليّ إن نجحت أن أصلي ركعتين.

  الثانية: لو حلف بقصدِ التقرب مثل: والله إن شفى الله مريضي فالله علي...، فالحلف الذي فيه طاعة يأخذ حكم النذر، فإن وُجِد الشّرط لزمه الوفاء به.

الثالثة: أن يدلّ الحال على إرادة النذر، كإن قدِم فلان تصدقت بكذا.


فصل

من نذر صوم شهر معيّن، لزمهُ صومه متتابعا لتعبيره بالشهر، فإن أفطر من هذا شهر من غير عذر؛ حرم ولزمه استئناف الصوم مع كفارة يمين؛ لفوات المحل، ويصوم شهرا جديدا، وإذا أفطره لعذر، فإنه يبني-يواصل- ويُكفّر لفوات التتابع، ويلزمهُ أن يقضي ما أفطرهُ متتابعا إن كان لعدّة أيّام.

ولو نذر صوم شهر مطلقا أو متتابعًا غير مقيدٍ بزمن لزمه التتابع، فإن أفطر لغير عذر لزمهُ استئنافه بلا كفارة، ولعُذر خيّر بين استئناف الصوم ولا شيء عليه، أو يبني ويكفّر لفوات التتابع-كفارة يمين-.


كتاب القضاء

والقضاء هو: تبيين الحُكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات.

والفُتيا: تبيين الحكم الشرعي، والإخبار به من غير إلزام.


وهو: فرض كفاية، فيجبُ على الإمام أن يُعيّن في كل إقليم قاضيا، وأن يختارَ في ذلك أفضل من يجدُ علما وورعا، فإن لم يعرف الأفضل سأل عن من يصلح، ويجب على الحاكم أن يأمر القاضي بمخافة الله وأن يأمره أن يتحرّّى العدل وهو إعطاء الحق من غير ميل.

وقيل: بُحرمة طلب القضاء، وتصح ولاية القضاء والإمارة منجزّة ومعلقة-ولّيتك الحكم إذا جاء رمضان-.


ويشترطُ أن تكون التوْلية من الإمام الأعظم أو من نائبه في القضاء، بأن يفوض الإمام نائبه توليةَ القضاء ويشترط أن يُعين له المكان الذي يقوم بفعل القضاء فيه، ويشترط أن يعرف الإمام ونائبه أن المُولى صالح للقضاء.

 ويشترط أن يُخبِر الإمام من أراد توليتهُ للقضاء بأحد طريقتين، إمّا مشافهة، أو مكاتبة؛ إن كان بعيدا وغائبا.

ويشترط أن يقبل القاضي إذا شافهه أو كاتبه فلا بد أن يكون القبول على الفور، ويكون القبول بالفعل، بكل قول صريح أو كناية يدل عليه.


تفيد ولاية الحكم العامة: أولا: فصل الخصومات، ثانيا: أخذ الحق ممن يجب عليه، ثالثا: دفعها للمستحق، رابعا: النظر في مال اليتيم الذي لا وليّ له، ومال السفيه والغائب، خامسا: الحجر على من استحقه، سادسا: النظر في الأوقاف العامة للبلد الذي وُلّي فيه، لتجري على شروط واقفها هذا إن لم يكن للوقف ناظر، سابعا: تزويج من لا وليّ لها من النساء. 


ولا ينفذ حكمه في غير محلّ عمَلَه، ويشترطُ كونه ذكرا بالغا عاقلا حرا وأن يكون مسلما، وكونه عدلا فلا يجوز تولية الفاسق، وكونه سميعا بصيرا وأن يكون متكلّما، وأن يكون مجتهدا، وهو استفراغُ الفقيه وُسْعه لتحصيل حُكم شرعي، ولو لم نجد مجتهدا مطلقا، فيكفي أن يكونَ مجتهدا في مذهب إمامه، وإلّا يُعيّن المقلّد.


آداب القاضي

يسنّ كونُ الحاكم قويًّا بلا عُنف، لينا بلا ضَعف، حليما، متأنّيا، مُتفطنا، عفيفًا، بصيرًا بحكم الحكام قبله.

ويجبُ العدل بيْن الخصميْن في لحظهِ ولفظهِ ومجلسهِ والدخول عليه، إلّا المسلم مع الكافر فيُقدّم المسلم على خصمه الكافر، ويُجلس المسلم أولا، ويحرم عليه أخذ الرشوة، ويحرمُ بذلها من الراشي، وإن رشاه ليدفع عنه ظلمه فيجوزُ في حق الدافع، ويحرمُ عليه الحكم هو غضبان غضب كثيرا وكل ما يشوّش عليه ويشغل فكره. 

ويحرمُ عليه أن يحكم بالجهل، أو يحكم مترددا فإن خالف وحكم لم يصح ولو أصاب الحق. 

ويباحُ للقاضي أن يتخذ كاتبا، ويشترط كون الكاتب مسلما مكلفا، ويسن كونه حافظا عالما. 

ويكرهُ بيْعه وشراؤه إلّا بوكيل لا يُعرف به لأن لا يُحابى، وليس للقاضي ولا لوالٍ أن يتّجر.


باب طريق الحكم وصفته

المُراد به: كيفية القضاء بين الخصمين، الحكم: هو فصل الخصومات.

إذا حضَرَ للحاكِم خصمان، سُنّ له أن يُجلسَهُما بيْن يديه وله أن يسكت حتى يتكلّما أو يبدأ الحاكم، ويقول أيّكما المُدعي؟

فإذا ادّعى أحدَهُما اشتُرط كوْن الدعْوى معلومة، وهي: إضافة الإنسان لنفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمّته.

ويُـشترط في الدّعوى أن تكون منفكّـةً عن ما يُـكذّبها، ثم إن كانت بدين اشترط كونه حالًّا، فإن كان مؤجلا فلا تصح الدعوى.

وإن كانت بعين اشتُرط حضورها في مجلس الحكم، وإن كانت غائبة عن البلد وصفها كصفات السّلَم.


 ويشترطُ في الدعوى أن تكون من جائز التصرّف، ولا يشترط أن يذكر سببَ الاستحقاق.

فإذا أتم المُدّعي دعواهُ فلا يخلو الحال أن يُـقرّ المُدّعى عليه أو يُـنكر، فإن أقرّ ثم ادّعى البراءة لم يلتفت القاضي لقوله، ويحلف المُدّعي لأنه صار مدعًا عليه على نفي ما ادّعاه المدعَى عليْه من البراء أو الأداء، ويلزمه بالحق بعد أن يُطالبه المدّعي بذلك، إلّا أن يقيم المدّعى عليه بيّنة ببراءته فيحكم بها القاضي.


وإن أنكر الخصمُ ابتداءً بأن قال:َ ما أقرضني، ولا باعني، أو قال: لا يستحقّ عليّ شيئا ممّا ادّعاه أو لا حق له علي، صح جواب المدّعى عليه، فيقول الحاكم للمدعي هل لك بينة؟ 

فإن قال: نعم، قال له: إن شئت فأحْضرها، فإن أحضر الشّهود وشهدوا سمِعها القاضي، فإن اتّضح للقاضي الحُكم فيَحْكم بطلبِ المدّعي، وإن لم يتّضح له وحصل له لبْس في القضية، فإمّا أن ينتظر حتى يتبيّن له أو يعرض على الخصميْن الصُلح فإن أبيا أخّر لهما الحكم حتى البيان والاتضاح.


تعديل الشهود وجرحهم

ويُعتبر في الشهود العدالة ظاهرا وباطنا، ولو بان الشهود فاسقين فإنه ينقض الحكم، وللحاكمِ أن يعمل بعلمه بما أقرّ به في مجلس حكمه وفي عدالة البيّنة وفسقها.

      فإن ارتابَ من البينة فلا بدّ من المزكّين لها يطلبهم القاضي من المُدّعي.

من شروط التزكية: معرفة المزكّي المُزكى باطنا، وكونه غير متّـهم بعصبيّة، وأن تكون مشافهة.

فإن ادّعى الغريم فسق البيّنة وأقام بذلك بينة سُمعت وبطلت الشهادة.

ولا يقبل من النساء تعديل ولا تجريح، والمذهب: أنه يقبل فيما تقبل فيها شهادتُهنّ كالمال.


وحيث ظهر فسق بيّنة المُدعي، أو قال: ابتداء ليس لي بيّنة، فيُخبره الحاكم أنّه ليس له على غريمهِ إلّا اليمين، ويشترط فيها أن يسأل المُدّعي الحاكم أن يستحلف المدعى عليه، وأن يستحلف الحاكم المُدعى عليه.

وإن كان للمُدّعي بعد ذلك بيّنة فلهُ أن يُقيمها بعد ذلك وإن طال الزمن، وإن لم يحلف الغريم يقول له الحاكم تحلف وإلّا قضيت عليك بالنكول ويُـلزمه بالحق.

وحُكم الحاكم يرفع الخلاف، لكنه لا يحوّل الشيء عن صفته باطنا عند الله عز وجل، فمتَى حُكم له ببيّنة زور بزوجية امرأة فلا تحل له باطنا وهو زانٍ بوطئها.

وتصحُّ الدّعوى بحقُـوق الآدميين على الميت، وعلى غير مكلّف، وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إذا كان مستترا بشرط البينة، وإذا حضر الغائب وبلغ الصبيُّ فهو على حجته.


كتاب القاضي إلى القاضي

ويصحُّ أن يكتب القاضِي الذي ثبت عندهُ الحقُّ إلى قاضٍ آخر معيّنا أو غير معين بصورة الدّعوى الواقعة على الغائب، بشرطِ أن يقرأ ذلك على عدليْن ثم يَـدفعه إليهما.

ويقول فيه إن ذلك قد ثبت عندي وإنك تأخذ الحق من المستحق، سواء كان ذلك المكتوب بالحكم أو التنفيذ، وفيما ثبت عنده يُـشترط أن يكون بينه وبين القاضي مسافة قصر، فلا يصح أن يكون عنده في نفس البلد.


باب القسمة

وهي نوعان:

النوع الأول: قسمة تراض، وهي: التي لا تنقسم إلّا بضرر، أو رد عوض من أحد الشريكين على الآخر. النوع الثاني: قسمة الإجبار، وهي: التي لا ضرر فيها ولا ردّ عوض.

فحيثُ تراضَيا صحّـت وكانت بيْعا، وإن لم يتراضيَا فإذا دعى أحدهما شريكه إلى بيع وإجارة أُجبر الآخر، فإن أبى بيعَ عليهما قهرا وقسّم الثمن.

ولا إجبارَ في قسمة المنافع ويكون العقد فيها غير لازم.

قسمة الإجبار: ما لا ضررَ فيها ولا ردّ عوض، وتأتّى في كُـلِّ مكيل وموزُون ودار كبيرة وأرض واسعة، ويدخل الشجر تبعا، وهذا النوع ليس بيعا وإنما هو إفراز.

ويصحُّ أن يتقاسما بأنفسهما، أو يأتون بقاسمٍ مسلمٍ عدلٍ يعرف بالقسمة فيقسمُ بينهما.

 وأجْرتُـه عليهما على قدر مِلكيهما، وإن تقاسما بالقرعة لزمهما، وتلزم إذا خيّر أحدهما الآخر.


باب الدعاوي والبيّنات

المدعي هو: الذي إذا سكت تُـرك، والمدعى عليْه: هو الذي إذا سكت لم يترك.

لا تصح الدّعوى إلّا من جائز التصرف، وإذا تداعيا عيْنا لم تخلو من أحوال:

الحال الأولى: أن لا تكون بيدِ أحدهما، ولا قرينة تدلّ على أنّها لأحدهما، ولا بيّنة لواحد منهما فيَتحالفان ويَنتصفانها، وإن وجد ظاهر لأحدهما عُمل به.

الحال الثانية: إن كانت بيدِ أحدهما ولا بيّنة للآخر فهيَ له-من هي بيده- بيمينه، فإن لم يحلف قضى عليه بالنكول ولو أقام بيّنة.

الحال الثالثة: إن كانت العين بيديهمَا، ولا بيّنة لأحدهما، فيتحالفان ويتناصفانها، فإن قويت يد أحدهما فهي له.

الحال الرابعة: إن كانت العين بيد أحدهما وأقام كل منهما بيّنة، فتقدّم بينة الخارج على بينة الداخل التي بيده العين.


كتاب الشهادات

وهي: الإخبار بما يعلَمُه بلفظ شهدت أو أشهد.

وتحمّلها في حقوق الآدميين فرض كفاية، وأداؤها فرض عين، ويحرم أخذ أجرة وجُعلٍ على الشهادة، لا إن عجز عن المشي فله أخذ أجرة على مركوب.

ويجبُ في عقد النكاح خاصة، ويسن في غيره.

وتكون الشهادة إمّا بالرؤية، وإمّا بالسماع-ويختص في الأقوال- بأن يسمع مباشرة أو بالاستفاضة.

وإن شهد شاهدان أنه طلّق من نسائهِ واحدة ولم يعيِّناها لم تُـقبل منهما.


من تقبل شهادته

الأول: البلوغ، فلا شهادة لصغير ولو اتصف بالعدالة، الثاني: العقل، فلا شهادة لمعتوهٍ ولا مجنون.

الثالث: النطق، فلا تُـقبل من الأخرس إلا إذا أداها بخطّه، الرابع: الحفظ، فلا شهادة لمعروف بكثرة غلط ونسيان.

 الخامس: الإسلام، فلا شهادة لكافر ولو على مثله، السادس: العدالة، ويُعتبر لها الصلاح في الدين، واجتناب المحرّم بأن لا يأتي كبيرةً، ولا يُداوم على صغيرة.

ومتى وجِد شرْط الشهادةِ قُـبلت الشهادة.


موانع الشهادة

أحدها: كون الشاهد مُلكا لمن شهد له، وكذا لو كان زوجا له، ولو في الماضي أو كان من فروعه، وتُـقبلُ لباقي أقاربه، ويجوزُ أن يشهد عليه فيما مضى؛ باستثناء الزوج فلا يجوز له أن يشهد على زوجته.

ومن موانع الشهادة: كونه يجرُّ بها نفعًا لنفسهِ ولا لشريك على شريكهِ، ولا لمستأجرِ فيما استأجر فيه، ولا أن يدفع بشهادته ضررا على نفسه.

ومن الموانع: العداوة الدنيويّة كفرحه بمضرّته، أو غمه بفرحه، ومن الموانع: العصبيّة فلا شهادة لمن عُرف بها.

ومن الموانع: أن تردّ الشهادة لفسقهِ، فلو رُدّت من قبل لفسقه ثم شهد فلا تقبل.


باب  المشهود به

والمُراد ذكر عددِ الشهود، وعدد الشهود، ويختلف بحسب المشهود به، وهو ستة:

الأول: الزنا، ومثله اللواط، لا بُدّ من ثبوته من أربع رجالٍ عدول في الظاهر والباطن يشهدون به ولا بد أن يصفونه أو يشهدون أنه أقرّ على نفسه أربعَ مرّات.

الثاني: إذا ادّعى من عُرف بغنًى أنه فقير، فلا بُدّ من ثلاثة رجال.

الثالث: الرجعة والخُلع والطلاق والنسب والولاء فلا بُدّ من ثلاثة رجال.

الرابع: المال، وما يُقصد به وجناية الخطأ وشبهِ العمد، وجناية العمد التي لا يجب فيها القود، ويكفي فيها: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين.

الخامس: داء دابة وموضحة، والمُراد به ما يترتّـب على الموضحة من مرض فيقبُل قولُ طبيبٍ واحد.

والمُراد به الشهادة، وبيطار واحد لعدم غيره في معرفته، وإن اختلف اثنان فيقدّم قول المُثبت للمرض.

السادس: ما لا يطلع عليه الرجال غالبًــا، كعيوب النساء تحت الثياب والرضاعة والبكارة ونحوه مما لا يحضر فيه الرجال فيكفي فيه امرأة عدل والأحوط اثنتان.


باب الشهادة على الشهادة وصفة أدائها

الشهود الذين باشروا الواقعة يسمون شهود الأصل، والذين أخذوا منهم يسمون شهود الفرع.

ويكون التحمّل بالشهادة على الشهادة: بأن يقول إشهد يا فلان على شهادتي أني أشهدُ أنّ فلانا ابن فلان أشهدني على نفسه، أو اشهد يا فلان أنّي شهدي على فلان ابن فلان أن عليه كذا.

ويؤدّي شاهد الفرع كما تحمّل، ويصحُّ أن يشهد على شهادة رجلٍ رجلٌ وامرأتان.


شروطها:

الأوّل: أن تكون في حقوق الآدميين، الثاني: تعذّر حضور شهود الأصل لمجلس الحكم لموت أو مرض أو خوف أو سفر مسافة قصر فأكثر.

الثالث: دوام عدالة الأصل والفرع حتى صدور الحكم، الرابع: ثبوت عدالة الجميع.                      

وإن قال شهود الأصل عن شهود الفرع ما أشهدناهم لم يضمن الفريقان شيئا ولا يبطل الحكم.

ولا يقبل من ناطقٍ إلّا بلفظ أشهد أو شهدت.

وإذا رجع شهود المال أو العتق بعد حُكم الحاكم لم يُنقض الحكم، ويلزمهم أن يضمنوا المال الذي شهدوا به لأنّهم أخرجوه من مالكه بغير حق.


وإذا علم الحاكم بشاهد زورٍ بإقراره، أو تبيّن كذبه يقينًا عزّره ولو تاب.

ومن ادُّعيَ عليه بشيء يوجب التعزير كوطء البهيمة فلو أنكر؛ فليس للحاكم أن يستحلفه، كذلك إن كان حقا من حقوق الله كإخراج الزكاة والوفاء بالنذر، ولا يُستحلف حاكم أنكر حكمه.

والتغليظ بالبيمن: التشديد على الحالف باليمين إما بلفظ، أو يغلظ عليه في الزمان أو المكان أوالهيئة، ومن أبى التغليط لا يُـقضى عليه بالنكول، وقيل: يقضى عليه بالنكول.


كتاب الإقرار

وهو: الاعتراف بالحق، وشرعا: إظهار مكلف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة أو إشارة أخرس.


شروط صحته:

لا يصحُّ الإقرارُ إلا من مكلف مختارٍ، ومن أُكره ليقر بدرهم، أو ليقرَّ لزيد فأقر لزيد وعمرو صح ولزمه.

ولا ينشأ الإقرار تمليكا وإنما يخبر عنه.

ويصحُّ إقرار المريض بمال لغير وارث، ولو لأكثر من الثلث ويكون من رأس المال، لا إن أقرّ بمال أو عين لوارث فلا يقبل إلا ببينة.

وإن كذّب المقرُ له المقِر، كان لمُقر أن يتصرّف بالمقر به بما شاء، وإن أقرّ أنّه عليه  للمسجد الفلاني دون أن يذكر سببا-وقفا أو هبة- صح الإقرار.

ولا يُشترط أن يُبيّن سبب هذا الحق، ولدار أو بهيمة لم يصح إلّا إن عيّن السبب.

ويصحّ الإقرار لحمل الآدميّة، فلو ولد ميتًا أو لم يكن حمل، بطل الإقرار.

وإن أقرّ رجلٌ أو امرأةٌ بزوجيّة الآخر فسَكت أو جَحد ثم صدق صحّ، وورثهُ بالزوجيّة لا إن بقي على تكذبيه حتى مات المقِر.


ما يحصل به الإقرار

من ادُّعيَ عليه بألف فقال في جوابه نعم، أو صدقت، أو أنا مقر، أو خذها واتزنها، أو اقبضها، فقد أقرّ، لا إن قال: لا أنكر، فلا يكون مقرا كذا إن قال اتزن أو خذ.

وإن قال: اقض لي ديني الذي عليك ألفا، أو لي عليك دين، فقال: نعم، أو قال: امهلني يومًا، فإنّه يكون قد أقر لَهُ، وإن علّقه بشرطِ لم يصح قدّم الشرط أو أخّره لأنه لم يُثبت على نفسه شيئًا بالحال، إلّا إن قال لهُ: علي دينار إذا جاء وقت كذا فيلزمه في الحال.


وإذا قال إنسان مكلف: لهُ عليّ من ثمن خمر ألفا، لم يلزمه شيء، لأنه أقر بثمن خمر، والخمر ليس له ثمن، وإن قال له علي ألف من ثمن خمر، لزمه ألف لأنه وصَل إقراره من ثمن خمر، فلا يغير هذا اللفظ شيء من الإقرار.


ويصحّ استثناء النصف فأقل، ويُشترط للاستثناء: أولا: أن يكون من النصف فأقل-وهو من المفردات-فيلزمه عشرة في قوله: لهُ عليّ عشرة إلا ستة، وخمسة في قوله: ليس له علي إلا عشرة إلا خمسة.

 الثاني: أن لا يسكت بين تلفظه بالمُستثنى والمستثنى منه، زمنا يُمكنه الكلام فيه، الثالث: أن يكون من الجنس والنوع، الرابع: أن لايأتي بينهما بكلام أجنبي، الخامس: أن يكون ناويا الاستثناء قبل تمام المستثنى منه.

وله علي مائة درهم إلا دينارا، فتلزَمهُ مائة درهم لأنّ الاستثناء من غير الجنس.

فصل

من باع أو وهبَ شيئا ثم أقرّ به لغيره لم يُقبل منه، كأن يبيع السيارة ثم يقول: هي لفلان فلا يُقبل، ويلزمه غرامته-بدله-للمقرّ به.

إن قال: غصَبت هذا العبد من زيد لا بل من عمرو، أو مُلكه لعمرو وغصبته من زيد، فهو لزيد ويغرم قيمته فلا يقبل رجوعه في هذه الحال.


الإقرار بالمُجمل

وهُو ما احتمل أمرين فأكثر على السواء، وقيل: ما لا يفهم معناه عند إطلاقه.

إن قال: لهُ علي شيء، صحّ الإقرار، وقيل: للمُقر فسّره ليتأتى إلزامه به، فإن أبى حُبس حتى يفسّر ما أقرّ به، فإن أصرّ على الامتناع ضُرب حتى يُقر، ويقبل لأقل مُتموّل، فإن مات قبل التفسير لم يُطلب من وارثه شيء.


وإن قال: وله علي مال كثير، أو جليل أو نفيس، قُبِل تفسيره بأقل متموّل، لأنه لا حدّ له في العرف.

 وإذا اتفقا على عقد وادّعى أحدهما فساده والآخر صحته، فالقول قول مدّعي الصحة بيمينه.

ومن قال في مرض موته المخوف: هذه الألف لُقطة فتصدّقوا بها، ولا مال له غيره لزِم ورثته الصدقة بجميعه ولو كذبّوه، لأنّ أمر الصدقة له دلّ على عدم مُلكيّته له، وهو إقرار لغير وارث فلزم امتثالهم به.


تمّ بحمد الله


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق