باب الشركة
وهي نوعان: النوع الأول: شركة أملاك، وهي: اجتماع في استحقاق، الثاني: شركة عقود وهي: اجتماع في تصرّف.
وشركة العقود خمسة أنواع
النوع الأول: شركة عنان، سُمّيت بذلك لتساوي الشريكان بالمِلك والتصرّف.
وهي: أن يشترك بدنانِ فأكثر مُسلمين أو أحدهما بمَاليْهما المعلوم ولو كان مال كل
منهما متفاوتا جنسا ووصفا وقدرا.
ثمّ يُعطي كل منهما رأس ماله ويُقسم الربح حسب الاتفاق، ويعملان بها في بدنهما
أو يعمل فيها أحدهما.
وإن شُرط لأحدهما أقلّ من ربح رأس ماله فلا يصح، وبقدره-بقدر ربح ماله-إبضاعٌ
أي: يكن وكيلا متبرّعا لا شريكا.
وينفذُ تصرّف كلٍ منهما في مال الشركة كله بحكم المِلك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه.
ويشترط لشركة العنان والمضاربة أن يكونَ رأس المال من النّقدين المضروبين فلا
تصح بعروض.
ويشترط أن يشترطا لكلٍ منهما ربحا مُشاعا معلوما فلا يقول لك من الربح ألف ونحوه،
والخسارة على حسب رأس المال.
ولا يشترط خلط المالين؛ لأنّ القصد الربح، ولا كونهما من جنس واحد.
وما يشتريه كلٌ منهما بعدَ العقد فهو داخل في الشركة.
ولكلٍ منهما له أن يبيعَ ويشتري ويقبض ويُحيل ويُطالب وله أن يُخاصم فيه.
وعلى كل منهما أن يتولّى ما جرت العادة بتولّيه.
النوع الثاني: المُضاربة، وتسمى ضرابا ومعاملة.
وهي: دفع مالٍ معلوم لمن يّتجر به ببعض ربحهِ أي: بجزء معلوم مشاع منه.
وإن لم يُحددّ للعامل الربح فله أجرة مثله، وإن شرطاه لعامل ولأجنبي معا ولو كان ولد
أحدهما أو امرأته واشترطا عليه عملا مع العامل صح، وإن لم يشترطا عليه لم يصح.
وإن قال ربّ المال: اتّجر بالمال والرّبح بيننا، فيُقسم عليهما الربح بالتساوي، وإن قدّر
نصيب أحدهما فالباقي للآخر.
وإن اختلفا لمن الجزء المشروط له فهو لعامل قليلا كان أو كثيرا؛ لأنه يستحقه بالعمل
ويحلف مدّعيه، وإن اختلفا في قدر الجزء المشروط بعد الربح فقول مالكٍ بيمينه.
وإن فسدت المُضاربة فالربح لرب المال وللعامل أجرة مثله.
ولا يُضارب العامل بمال لشخص آخر إن أضرّ بالأول ولم يرضَ لأنّها تنعقد على الحظ
والنماء، فإن فعل بأن ضارب للآخر بلا إذنه وأضر به رد حصته.
ولا يُقسم الربح مع بقاءِ عقد المضاربة؛ إلّا بتفاقهما، وإن تلِف رأس المال أو بعضه
قبل التصرّف انفسخت فيه المضاربة كالتالف قبل القبض، وإن تلف بعد التصرّف جُبر
من الربح ولم يستحق العامل شيئا.
وتبطل المُضاربة بموت أحدهما، فإن مات العامل أو مودعٌ أو وصيٌّ أو وكيل وجهل بقاء
ما بيديهم فهو ديْن في التّركة بخلاف ما لو عُلم عيْنه.
ويُقبل قول العامل فيما يدّعيه من هلاك أو خسران، وما يذكر أنه اشتراه لنفسه أو للمضاربة؛ لأنه أمين، والقول قول رب المال في عدم ردّه إليه.
النوع الثالث: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا على أن يشتريا في ذمتيهمَا بغير أن يكون لهما مال بجاههما، فما ربحاه فهو بينهما على ما شرطاه.
والملك بينهما على ما شَرطاه، والوضيعة على قدرِ الملك.
والنوع الرابع: شركة الأبدان وهي: أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما أي: أن يشتركا فيما
يكتسبانه من صنائعهما، فما رزق الله فهو بينهما، وما تقبّله أحدهما من عمل يلزمهما
فعله ويُطالبان به.
وتصح مع اختلاف الصنائع، ولكل واحد منهما طلب الأجرة، وللمُستأجر دفعها لأحدهما.
وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات، وإن مرض أحدهما فالربح
باق بينهما؛ إلّا إن طالب الصحيح المريض أن يُقيم آخر مقامه وكذا لو ترك العمل بلا
عذر فيلزمه، ولو رفض فللآخر الفسخ.
النوع الخامس: شركة المفاوضة، وهي تجمع بين أنواع الشركة الخمسة.
وهي: أن يفوّض كلٌ منهما إلى صاحبه كلّ تصرّف مالي وبدني من أنواع الشركة أو
يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما.
الأصل فيها أنّها صحيحة، والربح على ما شرطاه والوضيعة على قدر المال المدفوع،
فإن أدخلا فيها كَسبا أو غرامة نادريْن كلقطة وإرث وركازٍ وجناية لم يصح لكثرة الغرر
فيها؛ ولأنّها تضمّنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد.
باب المساقاة
وهي: دفع شجر مغروس له ثمرٌ مأكول ولو غير مغروس إلى آخرَ ليقوم بسقيه
وما يحتاج إليه بِجزء معلوم له من الثّمرة.
تصح على شجر له ثمر يُؤكل، ولا تصحّ على ما لا ثمر له أو له ثمر لا يؤكل.
وتصحّ المساقاة على شجر ليس فيه ثمرٌ-تُنمّى بالعمل، وتصح على شجرٍ يغرسُه في أرضِ رب الشجر وتسمى: المُغارسة ، والمناصبة، على جزء من الثمر معلوما مشاعا.
ولا يصحّ إن شرطا في المساقاة الكلّ لأحدهما، أو آصعا معلوما أو ثمرة شجرة معيّنة
وتصح المناصبة والمغارسة، وهي: دفع أرض وشجر لمن يغرسه بجزء معلوم من الشجر.
وهو:عقد جائز ليس لازما.
فإن فسخ المالك قبل ظهور الثّمرة فللعامل أجرة مثله، وإن كان لفسخ من العامل قبل
ظهور الثّمرة فلا شيء له.
وإن انفسخت بعد ظهور الثّمرة فهي بينهما على ما شرطاه، ويلزم العامل تمام العمل.
ويلزم العامل كلّ ما فيه صلاح الثمرة من حرث وسقي وزبار-قطع الأغصان الرديئة –
من الكرم وتصبيح وتشميس ولقاط ونحوه.
وعلى ربّ المال ما يحفظ الأصل، كسد حائط وإجراء الأنهار وحفر البئر وشراء ما يلقح
به ونحو ذلك.
والجذاذ-قطع الثمرة-عليهما بقدر حصّتيهما إلّا أن يشترطه رب الأرض على العامل.
وفي رواية: هو العامل بلا شرط.
والعامل فيه كالمضارب فيما يقبل ويرد من قوله.
وتصح المزارعة وهي: دفع أرض وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع
يُنمَّى بالعمل لمن يقوم عليه بجزء معلوم مشاع معلومِ النسبة، ممّا يخرج من الأرض
لربّها أو للعامل، والباقي للآخر.
ولا يشترط في المزارعة والمغارسة كون البذر من رب الأرض، فيجوز أن يخرجه العامل، والمذهب: يشترط.
ولا يصح أن يشترط ربّ الأرض أن يأخذ مثل البذر الذي دفعه ثم يقسم الباقي.
وإن كان في الأرض شجر فزارعه على الأرض، وسقاهُ على الشجر صح ذلك.
ولو آجره الأرض وساقاه على شجرها فيصح بشرط ما لم يتّخذه حيلة على بيع الثمرة
قبل بدوّ صلاحها.
وتصح مساقاة ومزارعة بلفظهما وبلفظ المُعاملة وما في معنى ذلك والإجارة؛ لأنّه مؤد للمعنى.
وتصح بجزء مشاع ممّا يخرج منها فإن لم يخرج منها شيء نُظر إلى معدّل المغال فيجب القسط المُسمّى.
باب الإجارة
وهي: عقد على منفعة مباحة معلومة من عيْن معيّنة أو موصوفة في الذمّة أو عملٍ
معلوم بعوض معلوم.
وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما وبلفظ بيع إن لم يُضف إلى العين.
وتصح الإجارة بثلاثة شروط:
الشرط الأول: معرفة المنفعة؛ لأنّها هي المعقود عليها فاشترط علمها كالمبيع، وتحصل معرفتها
إمّا بالعُرف كسكنى دار، ويدخل ماء بئر تبعا للدار وله إسكان ضيف وزائر.
ويصح استئجار آدمي لعمل معلوم كتعليم علم أو خياطة ثوب.
وقد تُعرف المنفعة بالوصف.
الشرط الثاني: معرفة الأجرة بما تحصل به معرفة الثمن، فإن أجر الدار بعمارتها
أي قال له: كل شيء يخرب في الدّار تصلحه أنت، لم يصح.
ولو أجّرها بمُعيّن على أن ينفق المستأجر كل ما خرب ويخصم ذلك من الأجرة صح.
وتصح الإجارة في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما.
ويشترط معرفة مدّة الرضاع ومكان الرضاع ومعرفة العوض ومعرفة الطفل.
وإن دخلَ حماما أو سفينة بلا عقد-الأشياء اليسيرة التي جرى عليها العرف صح بأجرة العادة؛ لأن العُرف الجاري بذلك يقوّم مقام القول،
كذا إن استعمل حمالا يحمل متاعه فيعطيه أجرة المثل.
الشرط الثالث: الإباحة في نفع العين، فلا تصح الإجارة على نفع محرّم كما لو استأجر الدار وشرطَ عليه أن يجعلها لبيع الخمر.
ولا تؤجّر المرأة نفسها بعد عقد النكاح إلّا بإذن زوجها.
ويشترط في العين المُؤجّرة
أولا: معرفتها برؤية أو صفة إن انضبطت بالوصف.
ثانيا: أن يعقد على نفعها المستوفى دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه أو صوفه أو شعره، ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا.
ثالثا: القدرة على التسليم، كالبيع فلا تصح إجارة العبد الآبق، والجمل الشارد، والطير في
الهواء ولا المغصوب ممّن لا يقدر على أخذه، ولا إجارة المشاع مفردا.
رابعا: اشتمال العين على المنفعة، فلا تصح إجارة أرض للزّارعة وهي لا تصلح للزرع.
خامسا: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مؤذون له بالتّصرف فيها.
وتجوز إجارة العين المؤجرة بشرط أن لا يكون أكثر منه ضررا.
وتصح إجارة الوقف وتُصرف الأجرة للجهة الموقوف عليها، وإن أجّر الناظر العام-الحاكم- آو من شرط له من الواقف وكان أجنبيا لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله،
ويرجع مستحق على ورثة قبض بحصّته.
وإن أجّر دارا ونحوها مدّة معلومة ولو طويلة يغلبُ على الظن بقاؤها فيها صح، ولو ظن عدم بقاء العاقد فيها.
وليس للوكيل المُطلق أن يؤجّر مدة طويلة بل بحسب العرف.
ولا يشترط أن تلي المدة العقد، ولو كانت العين مؤجرة أو مرهونة حال العقد.
وإن استأجر العيْن لعملٍ كدابة لركوب إلى موضع معيّن أو بقرة لحرثٍ أرض معلومة
بالمشاهدة أو استأجر من يدلّه على طريق اشترط معرفة ذلك وضبطه
بما لا يختلف فيه فاشترط فيه العلم كالمبيع.
ولا تصحّ الإجارة على عملٍ يختصّ فاعلهُ أن يكون من أهل القُربة كالأذان وتعليم
القرآن، كما لو استأجر قوما يصلون خلفه.
ويكره للحرّ أخذ أجرة على حجامة ويطعمه الرقيق والبهائم.
ويجب على المؤجر ما ينص عليه في العقد وإن لم ينص فعلى ما جرى به العرف.
والإجارة عقد لازم من الطرفين، فليس لأحدهما فسخها لغير عيب ونحوه.
فإن آجاره شيئا ومنعه الشيء المؤْجر كل المدة أو بعضها، أي:لم يُمكّنه من العين،
فلا شيء له من الأجرة، لا إن تحوّل المستأجر قبل انتهاء المدّة فيلزمه أجرة المدة
كلها.
وتنفسخ الإجارة بتلفِ العيْن المؤجرة-كدابة وعبد ماتا-؛ لأن المنفعة زالت بالكليّة.
وإن كان التّلف بعد مضي مدّة لها أُجرة انفسخت لما بقي، ووجب للماضي القسط.
وتنفسخ الإجارة بموت الرّضيع.
وتنفسخ الإجارة بموت الراكب إن لم يخلف بدلا-أي من يقوم مقامه في استيفاء المنفعة بأن لم يكن له وارث-.
والمذهب: لا تنفسخ بموت الراكب.
وتنفسخ الإجارة باقتلاع ضرس اكتري لقلعه أو برئه لتعذّر استيفاء المعقود عليه
ونحوه كاستئجار طبيب ليداويه فيبرأ.
ولا تنفسخ بموت المُتعاقدين أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه ـولا تنفسخ بعذر
لأحدهما-مثل ضياع نفقة المستأجر للحج ونحوه-.
وإن اكترى الدّار فانهدمت، أو الأرض فأصبحت غير صالحة انفسخت الإجارة في الباقي
من المدة؛ لأن المقصود في العقد قد فات.
وإن غُصبت العين المؤجرة خُيّر المستأجر بين الفسخ ويدفع أجرة المثل، وإمّا أن
يمضي ويطالب الغاصب بأجر المثل.
ومن استُؤجِر لعمل شيء فمرض أقامَ مقامه من ماله من يعمله ما لم تشترط مباشرته له، أو يختلف فيه القصد كالنسخ.
وإن وجد المستأجر العيْن معيبة أو بعد مدّة حصل فيها عيْب وهو العيب الذي يؤثّر
بالأجرة فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى، وإمّا أن يمضي مجانا بلا أرش والخيار على التراخي.
ويجوز بيع العين المؤجّرة ولا تنفسخ الإجارة به وللمشتري الفسخ إن لم يعلم أن
العين مؤجرة.
ولا يضمن أجير خاص وهو من استؤجر مدة معلومة-يستحق المستأجر نفعه في جميع
هذه المدة- فلا يضمن ما جنت يده خطأ وإن تعدى أو فرط ضمن.
ولا يضمن حجّام وطبيب وبيطار وختّان لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم-معرفتهم صنعتهم-، ولا فرق بين خاصّهم ومُشتركهم.
ولا يضمن أيضا: راعٍ لم يتعدَّ فإن تعدى أو فرّط ضمن.
ويضمن الأجير المشترك وهو :من قُدر نفعه بالعمل كخياطة ثوب وبناء حائط، سُمي
مشتركا لأنه يتقبّل أعمالا لجماعة في وقت واحد، فيشتركون في نفعه، فكل منهما
يضمن ما تلف بفعله كتخريق الثوب وغلطه في تفصيله.
ولا يضمن ما تلف بفعل غيره، ولا ما تلف بحرزه ولا أجرة له فيما عمل فيه؛ لأنه لم
يسلّم عمله للمستأجر فلم يستحق عوضه.
وإن حَبس الثوب على الأجرة فتلف ضمنه-ما لم يظهر فلسُ المستأجر-، وإن ضرب المستأجر الدابة بقدر العادة لم يضمن.
وتجبُ الأجرة بالعقد وتكون حالّة إن لم تُؤجل، وتُستحق بتسليم العمل الذي في الذمّة
ولا يجب تسليم الأجرة قبل العمل، وتستقر الأجرة كاملة باستيفاء المنفعة.
ومن تسلّم عيْنا بإجارة فاسدة ومضت المدّة فيلزمه أجرة المثل -مدّة بقاءها فيه-.
باب السبق
السَبَق: العوض الذي يُسابق عليه، والسبْق: المُسابقة أي: المجاراة بيْن حيوان وغيره.
ولا تجوز المسابقة بعوض إلّا بإبل وخيل وسهام مع الخروج عن شبه القمار بأن لا يدفع الجميع.
ويُشترط تعيين المركوبين لا الرّاكبين، ولا بد من اتّحادهما.
ولا بد في المناضلة من تعيين الرماة؛ لأن القصد معرفة حِذقهم، ولا يحصل معرفة
الحذق إلّا بالتعيين بالرؤية، ويعتبر فيها أنّ القوسين من نوع واحد.
ولا بُد من تحديد المسافة، ويُعتبر في المناضلة تحديد مدِّ الرّميِ.
والمسابقة جُعالةـلكل واحد منهما فسخها، إلّا أن يظهر الفضل لأحدهما فله الفسخ دون صاحبه.
وتصح المناضلة-وهي المسابقة بالرمي- على معيّنين يُحسنون الرّمي.
ويشترط لها: تعيين عدد الرّمي والإصابة، ومعرفة قدر الغرض طوله وعرضه
وسمكه وارتفاعهِ من الأرض.
باب العارية
وهي إباحة نفع العين التي يجوز الانتفاع بها، وتبقى العين بعد استيفاء المنفعة ليردها على مالكها.
تنعقد بكل لفظٍ أو فعل يدل عليها، ويعتبر أهليّة تبرع المعير والمُستعير.
وهي: مستحبة، وتباح إعارة كلّ ذي نفع مباح.
ولا يصح إعارة البضع، ولا عبد مسلم لكافر، ولا صيد ونحوه كمخيط لمحرم، ولا
أمة شابة لغير امرأة ومحرَم، ومحل ذلك إن خشي المحرّم.
وللمعير الرجوع متى ما شاء، ما لم يضرّ المستعير كسفينة لحمل متاعه.
ولا أجرة لمن أعار حائطا ثم رجع حتى يسقط، بخلاف من أعار أرضا للزّرع ثم رجع
فيبقى الزرع بأجرة المثل لحصاده جمعا بيْن الحقين، وفي وجه: ليس له ذلك.
والعارية مضمونة وإن كان لها مثيل فمثلها؛ وإلّا قيمتها يوم تلفت، ولا يصح لو شرط نفي ضمانها.
ولا تضمن العارية إن تلفت عند المستعير من المستأجر، أو كانت كتب علم موقوفة
إذا تلفت فيما أستعيرت له، كذا إذا أركب منقطعا للثواب.
وعلى المستعير مؤنة ردّها، لا العين المؤجرة فلا يجب على المستأجر مؤنة ردها.
وللمستعير استيفاء المنفعة هو أو وكيله، ولا يجوز أن يُعيرها أو يؤجّرها، فإن
أعارها وتلفت عند الثاني استقرّت على الثاني قيمتها إن كانت متقومة.
وإن اختلفا فقال المالك: أعرتك، وقال الثاني: بل أجّرتني، فالقول قول المالك.
وإن قال له: أجّرتك، فقال له: بل أعرتني، فإن لم يمض الوقت يرد العين قبل مضي
مدة لها أجرة، قيُقبل قول مدعي الإعارة مع يمينه وإلّا بعد مضي مدة لها أجرة فالقول
قول مالك مع يمينه، وتجب أجرة المثل.
وإن قال الذي في يده العين: أعرتني أو أجّرتني، فقال المالك: بل غصبتني فقول
المالك، كما لو اختلفا في ردّها فالقول قول المالك.
أو قال المالك: أعرتك، وقال الثاني: بل أجّرتني فقول مالك؛ لأنّهما اختلفا في صفة
القبض، والأصل فيما يقبض الإنسان من مال غيره الضمان، وإن اختلفا في القيمة فقول الدافع.
وإن اختلفا في ردّ فقول مالك؛ لأن المستعير قبض العين لحقّ نفسه.
وإن قال: أودعتني، فقال: بل غصبتني فقول مالك، أو قال: أودعتك، فقال: بل أعرتني
فقول مالك.
باب الغصب
وهو لغة: أخذ الشيء ظُلما.
واصطلاحا: الاستيلاء عُرفا على حق الغير، سواء كان مالا أو مُختصا به قهرا بغير حق.
وإن دخل الدار قهرا بغيبةِ صاحبها فغاصب ولو كان متاع له في هذه الدّار.
وإن غصب كلبا يُقتنى أو خمر ذمّيٍ مستورة ردّهما؛ لأنّ الكلب يجوز الانتفاع به،
وخمر الذمّي يُقر على شربها وهي مال عنده-عند الذمي-.
ولا يلزم أن يردَّ جلد ميتة غُصب؛ لأنه لا يطهر بالدبغ، وفي وجه: يرده حيث قيل
الانتفاع به في اليابسات.
ولو أتلف شيئا من هذه الثلاثة هدر؛ لأن لا قيمة لها، سواء كان المتلف مسلمًا أو ذميا.
وإن استولى على حرٍّ لم يضمنه؛ لأنه ليس مال، وإن استعمله كرها فعليه أجرته؛ لأنه منافعه وهي: متقوّمة.
ويلزم غاصب رد المغصوب إن كان باقيا وقدِر على ردّه، وإن زاد لزمه ردّه بزيادته
متصلة كانت أو منفصلة؛ لأنها من نماء المغصوب وهو لمالكه.
وإن بنا في الأرض المغصوبة أو غرس لزمه القلع إن طالب المالك ذلك، ويلزمه
قيمة نقص الأرض وتسويتها؛ لأنه ضرر حصل بفعله، وإن بذل الغاصب الغرس
والبناء لم يلزمه قبوله.
وإن زرع الأرض الغاصب فالزرع له، وعليه أجرة الأرض للمالك، وإن كان الزرع
قائم فيها خُيّر رب الأرض بين تركه إلى الحصاد وبيْن أخذه بنفقته.
وإن غصبَ جارحًا أوعبدا أو فرسا فحصّل صيدا فلمالكه؛ لأنه حصله بسبب ملكه
فكان له، وكذا لو غصب فخًّا أو شبكة فصاد به فللمالك.
ولو غصب ذهبا فصاغه، أو خشبا فنجّره أو نسج الغزل ونحوه فالعين للمالك، ولزم
الغاصب دفع نقص القيمة، ولا شيء للغاصب لو زادت قيمته.
ويلزم الغاصب ضمان نقص المغصوب، كما لو أضيفت صفة تنقص القيمة أو نقصت
صفة في المغصوب فيضمنه.
وما نقص بسعر لا يضمن، وعنه: يضمن؛ لأن حبس العين عنده منعه من بيعها.
وإذا جنى المغصوب فعلى غاصبه أرش جنايته.
وإن خلط المغصوب بما لا يتميّز كزيت أو حنطة بمثليهما، لزمه مثله.
ولو خلطه بدونه أو بأفضل منه أو بغير جنسه فهما شريكان بقدر ملكيهما فيباع
ويعطى كل واحد قدر حصّته، وإن نقصت قيمته بالخلط ضمنه الغاصب، ولو زادت
قيمته فهو للمغصوب.
ولو صبغ الغاصب الثوب، أو لت سويقا مغصوبا بدهن ولم تنقص القيمة ولم تزيد
فهما شريكان بقدر ملكيهما، وإن زادت القيمة، ويضمن الغاصب قيمة النقص.
ولا يُجبر من أبى قلع الصبغ إن طلبه صاحبه، ويُصبحان شريكان فيه، وإن وهبه
الغاصب لصاحب الثوب لزمه القبول.
وإن اشترى أرضا فغرس عليها أو بنا ثم ظهر أنّها مغصوبة-مستحقة للغير- فالمشتري يرجع على بائعها له بالغرامة.
وإن غصب الغاصب الطعام ثم أطعمه لعالمٍ بغصبه فالضمان على الآكل، وللمالك
تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله.
وإن أطعمه لغير عالم بغصبه فالضمان عليه لا على الآكل، وإن أطعمه لمالكه أو
رهنه لمالكه أو أودعه أو لآجره لم يبرأ الغاصب؛ إلّا أن يعلم المالك أنها ملكه، وكذا لو
استأجر الغاصب المالك على خياطته أو قصارته فلا يبرأ الغاصب.
ويبرأ الغاصب بإعارة المغصوب لمالكه علم المالك أو لم يعلم.
وكل يد ترتبت على الغاصب فهي مضمونة؛ إلّا إن كان الثاني الذي أخذ من
الغاصب يعلم أنه مغصوب فقرار الضمان عليه، وإن كان لا يعلم ودخل على أنّه
مضمون عليه فيستقرّ عليه ضمانه كالعارية .
ويُضمن المغصوب بمثله إن كان مثليًّا وبقيمته إن كان مُتقوما.
والقيمة قيمته يوم أخذه.
وتصرّفات الغاصب الحكميّة-أي التي لها حكم-كالحج والبيع والطهارة والنكاح كلها باطلة.
والقول في قيمة التلف أو قدره أو صفته قول غاصب، وفي رد وعيب القول قول المالك.
وإن شهدت البينة أنّ المغصوب كان معيبا فقال الغاصب: كانت معيبا وقت غصبه،
وقال المالك: تعيب عندك قدّم قول الغاصب لأنه غارم.
وإن جهل الغاصب رب المغصوب سلّمه إلى الحاكم وبرء من عهدته، أو تصدّق به
عنه مضمونا وكان ثوابه لربه ويسقط عنه إثم الغصب.
ومن أتلفَ لغيره مالا محترما بغير إذن ربه ضمن، أو فتح قفصا عن طائر ضمن.
أو فتح بابا فخرج ما كان مغلقا عليه ضمن، أو فتح غطاء شيء فذاب كالزيت أو
السمن أو ألقته الريح ضمن.
ومن ربط دابة بطريقة ضيق ضمن، والمذهب: يضمن ولو كان واسعا.
ومثله لو ترك في الطريق طينا أو خشبا ونحوه فعثر به إنسان ضمن.
ويضمن من له كلب عقور فدخل شخص داره بإذنه فعقر أو خرج فعقره.
وما أتلفت البهيمة من الزرع والشجر ليلا ضمنها صاحبها(والمذهب: إن فرط) وإن
أرسلها نهارا لقرب ما تُتلفه عادة فيضمن(والمذهب: لا يضمن في النهار مطلقا).
ولا يضمن من قتل صائلا من آدمي وغيره إن لم يندفع إلّا به، وككسر آلات اللهو
والصليب وآنية خمر غير محترمة.
باب الشفعة
وهي استحقاق الشريك الأول انتزاع حصة الشرك الثاني ممّن انتقلت إليه بِعوض مالي.
وهي: تدخل في المشاعات-ولا تدخل في الجوار- فيأخذ الشفيع بنفس
الثمن الذي استقر عليه العقد.
وإن انتقل نصيب الشريك بغير عوض بإرث وهبة بغير ثواب ووصية، أو كان
عوضه غير مالي بأن جعله صداقا أو خلعا أو صُلحا عن دم عمد فلا شفعة،
ويحرم التحيّل لإسقاطها.
وتدخل الشفعة في العقار المُشاع، فلو كانت الشفعة في أرضٍ لا يُمكن قسمتها فلا
شفعة، كذلك ما كان منقولا كسيف ونحوه.
ولا تدخلُ فيما لا يجب قسمته كحمام ودور صغيرة، ولا تدخل في طريق مشترك غير
نافذ، ولا تدخل في بيع الغرس وحده، وتدخل الشّفعة إن دخل الغرس تبعا للأرض.
والشفعة على الفور، فلو لم يطلبها وقت علمه بطلت، فإن لم يعلم بالبيع فهو على
شفعته ولو مضى سنون، كذا لو أخر الطلب لعذر.
وإن علم بالشفعة وهو غائب أشهدَ على الطلب بها إن قَدِر على ذلك.
وإن قال الشفيع-الشريك- للمشتري: بعني ما اشتريت سقطت الشفعة، أو صالحني.
وإن أخبره عدل فكذّبه فلا عذر له، فتسقط الشفعة، لا إن أخبره فاسق فلا تسقط.
وإن طلب الشفيع أخذ بعض الحصة المبيعة سقطت شفعته.
ولا تسقط الشفعة إن عمل الشفيع دلّالا بينهما، أو توكّل لأحدهما، أو أسقطها قبل البيع باللفظ فلا تسقط.
والشفعة لشريكين اثنين بقدر حقّيهما؛ لأنّها حق يُستفاد بسبب الملك، فكانت على قدر
الأملاك، فإن عفا أحد الشفيعين أخذ الآخر الكل أو تركه؛ لأن في أخذ البعض إضرارا لشريكه.
وإن اشترى اثنان حقا واحدا فللشفيع أخذ حق أحدهما وعكسه، أو اشترى واحد
شقصين بصفقة واحدة فللشفيع حقّ في الأولى والثانية أو أحدهما.
وإن باع شقصا وسيفا فللشفيع أخذ الشقص بحصّته من الثمن.
ولو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ حصته من الثمن؛ لأنه تعذر أخذ الكل، كذلك إن أتلفه آدمي.
ولا شفعة لصاحب الوقف على صاحب الطلق؛ لأن صاحب الوقف لا يملكه ملكا تاما، ولا شفعة بغير ملك للرقبة سابق، ولا شفعة لكافر على مسلم.
ولو تصرّف المشتري بالعين فإن كان التصرف بعد طلب الشفيع الشفعة فلا تصرف
له، وبعد طلب الشفيع فيمضي في أشياء ولا يمضي في أشياء.
فإن تصرف فيه-قبل طلب الشفعة- بوقف أو رهن أو هبة صدقة، سقطت الشفعة،(والمذهب: أن رهنه لا يسقط الشفعة)، لا بوصية فلا تسقط الشفعة، وتسقط الشفعة إن باعه.
وللمشتري الغلّة الحاصلة قبل الأخذ بالشفعة، وله النماء المنفصل، والزرع والثمرة الظاهرة، ويبقى للحصاد والجذاذ ولا أجرة عليه، والنماء المتصل يتبع العين كالشجر إذا كبر- والثمرة قبل تأبيرها.
فإن غرس المشتري-الشريك الجديد- أو بنا-في حال يُعذر فيه الشريك بالتأخير-، بعد
أن قسم الأرض فللشفيع ملكه بقيمته، وللشفيع قلعه ويغرم نقصه، ولربه أخذه ولو
اختار الشفيع تملّكه بقيمته بلا ضرر يلحق الأرض.
والمذهب: له أخذه ولو مع ضرر.
وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت الشفعة، وبعد الطلب ثبتت لوارثه؛ لأن الحق قد
تقرّر بالطلب فلا يسقطه التأخر.
ويأخذ الشفيع الشقص بكل الثمن الذي استقر عليه العقد، فإن عجز عن بعضه سقطت
شفعته.
وللمشتري حبسه على ثمنه، ويُمهله إن تعذر في الحال ثلاثة أيام.
ولو اشترى المشتري من الشريك بثمن مؤجل يأخذ الشفيع المليء به، والمعسر يأخذه
مؤجلا بكفيل، وإن لم يعلم الشفيع حتى حلّ فهو كالحال.
ويُقبل في الخُلف في قدر الثمن قول المشتري؛ لأنه أعلم بالثمن.
وإن أقرّ البائع بالبيع بالشقص المدفوع، وأنكر المشتري شراءه وجبت الشفعة؛ لأن
البائع أقر بحقين، ويقبض الشفيع من البائع ويسلم إليه الثمن.
وإن أبى المشتري قبض المبيع-ليسلمه للشفيع-أجبره الحاكم، ولا شُفعة في بيع مدّة
الخيار قبل انقضائه.
باب الوديعة
ويستحب قبولها من علمَ من نفسه أنّهُ قادر على حفظها.
وإذا تلفت الوديعة من بيْن ماله ولم يتعدَّ ولم يُفرط لم يضمن.
ويلزم المودَع حفظها في المكان التي تُحفظ فيها عرفا وإلّا ضمن، فإن عيّن الحرز
ربُّ العارية فأحرزها بدونه ضمن، وإن أحرزها بمثله أو بأحرز منه فلا ضمان.
وإن عيّن جيبه بأن قال: احفظها في جيبك فتركها في كمّه أو يده ضمن، لأنّ الجيب أحرز، وعكسه بعكسه.
وإن دفعهَا لِمن يحفظ ماله عادة كزوجته وعبده لم يضمن لجريان العادة به.
ومن دُفعت إليْه يصدّق في دعوى التّلف والرد كالمودَع، لا إن أودعها عند أجنبي أو
قاض فلا يُطالبان، والضمان يستقر على المودع الأوّل لأنه فرط.
وإن حدث خوف، أو حدث سفر فيردّ الوديعة على ربّها أو على وكيل ربها، فإن تعذّر
ودفعها للحاكم ضمن، فإن غاب ربّها حملها معه في السفر سواء كان للضرورة أو
لا إن كان السفر أحرز للوديعة وكان صاحب الوديعة لم ينههُ عن السفر بها، وله ما
أنفق عليها في السفر بنيّة الرجوع، وإلّا دفعها للحاكم فإن تعذّر حاكم أهلٌ أوْدعها
ثقة وكذا حكم من حضره الموت.
ومن تعدّى في الوديعة بأن أودِع دابة فركبها لغير مصلحتها، أو أوْدِع ثوبا فلبسه من
غير خوف عث، أو أوْدع دراهم فأخرجها من حرزها فيضمن؛ لأنه تعدّ كذلك إن أخرج
الختم عن كيسها أخرج شيئا منها أولا، أو خلطها بغير متميّز فضاع الكل ضمن لتعديه، أو ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع ضمن.
ومن أودعه صبي وديعة لم يبرأ إلّا بردّها لوليّه، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة لم
يضمنها-الصبي- مطلقا.
ويُقبل قول المودع في ردّها إلى ربها أو من يحفظ ماله-وكيل ربها- أو غيره بإذنه
كما لو ادّعى ردّها على مالكها.
ويقبل قوله بتلفها، وعدم التّفريط بيمينه، وإن ادّعى التلف بظاهر-كحرب أو حريق-
كُلّف ببيّنة ثم قُبل قوله بالتّلف.
وإن أخّر تسليمها بلا عذر ضمن، وإن أمرهُ بدفعها لوكيله فتأخّر وأبى ضمن.
وإن قال لم تودعني ثم ثبتت الوديعة بشهود أو إقرار ثم ادّعى ردا أو تلفا سابقين
لجحوده لم يُقبلا ولو أحضر بيّنة؛ لأنه مكذّب للبينة، ولو ادّعى ردا ليس سابقا
لجحوده بل بعده فيُقبل.
وإن مات المودع وادّعى وارثه الردّ منه-أن الوارث رد الوديعة- أو من مودعه-أن
مودعه ردّ الوديعة-لم يقبل قوله إلّا ببيّنه .
وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم بلا ضرر أخذَه.
وللمستودع والمُضارب إن غُصبت العين منه مطالبة غاصب؛ لأنهم مأمورون بحفظها
والمطالبة من حفظها، ولا يضمنون ما أخذ منهم بالإكراه.
باب إحياء الموات
وهي: الأرض المنفكّة عن الاختصاصات وملك المعصوم.
المختصات هي: المتعلقة بمصالح الناس كالشارع ونحوه.
فمن أحيا الأرض الموات ملَكها من مسلم أو كافر ذمّي مكلفا أو غير مكلف، وعلى
الذمّي خراج ما أحيا من عنوة، بإذن الإمام وعدمه فلا يفتقر مِلكها لإذن.
والعنوة كغيرها تُملك بالإحياء كذلك ما صولحوا أنّ الأرض للمسلمين.
لا ما أحياه مسلم من أرض كُفّار صولحوا على أنّها لهم ولنا الخراج، وما تعلق
بمصالح الناس كمقبرة وملاقى كناسة، وكذا موات الحرم وعرفات لا يُملك بالإحياء.
ومن أحاط مواتا-أدار حوله حائطا منيعا- فقد أحياه أو حفر بئرا أحياه، أو أجرى
الماء إلى الأرض الموات أو حبسها عنه ليزرع فقد أحياه .
ومن حجر مواتا-عمل عملا دون الأحياء-كأن أحاطه بسور لم تجرِ العادة به لم
يملكه ويكون أحقّ به ووارثه، وليس له بيعه.
وللإمام إقطاع موات لمن يُحييه، ولا يملكه بالإقطاع بل هو أحق به من غيره، فإن
أحياه ملكه، وله إقطاع الطرق للجلوس والبيع ما لم يكن فيه مضرة على الناس.
وإن سبق اثنان فأكثر إليها-إلى طريق واسعة لم يقطع من الإمام- وضاقت اقترعا،
ومن سبق إلى مباح-ليس له مالك-من صيد وحطب ومعدن فهو أحقّ به.
وللإمام دون غيره قطع حِمى مرعى لدواب المسلمين، كخيل الجهاد والصدقة ما لم
يضرهم بالتضييق عليهم، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضا عن
مرعى موات أو حمى؛ لأنه مباح.
باب الجعالة
وهي اصطلاحا: أن يجعل جائز التصرّف شيئا متموّلا معلوما لمن يعمل له عملا
معلوما أو مجهولا في مدّة معلومة أو مجهولة.
ويقوم العمل مقام القبول؛ لأنه يدل عليه كالوكالة.
ومن وجد لقطةً ثم علم أن صاحبها جعل عليها جعلا فلا يجوز له أخذها، فلا جُعل لمن
عمل عملا لم يعلم أنّ صاحبه جعل له جعلا، لا بعده؛ فمن فعله بعد علمه بقول صاحب
العمل استحقّه، وإن بلغه الجعل في أثناء العمل يأخذ قسط تمامه.
والجعالة عقدٌ جائز يحق لكل منهما الفسخ، وإن فسخ العامل قبل تمام العمل فلا
يستحق شيئا؛ لأنه أسقط حق نفسه، وإن كان الفسخ من الجاعل فللعامل أجرة مثل عمله.
وقبل الشروع في العمل فلا شيء له، وله أن يزيد أو ينقص قبل الشروع في العمل.
وإن حصل خلاف في أصل الجُعل فالقول قول الجاعل كذلك الخلاف، في قدر الجعل
فيقبل قول الجاعل.
ومن ردّ لُقطةً أو ضالةً أو عمل لغيره عملا بغير إذن ولا جُعل لم يستحق شيئا؛ إلّا
في تخليص متاعِ غيره من هلكة فله أجرة المثل ترغيبا في إنقاذ متاع الناس.
باب اللقطة
وهي: مال أو مختص ضلّ عن ربه، وقيل: يقال للحيوان ضالة.
من اللقطة ما يملك بلا تعريف، وهو: ما لا تتبعه همّة أساط الناس، كالسوط
والرغيف، فيباح الانتفاع به، ولا يلزمه دفع بدله.
ومنها: الضّوال من الحيوانات، الذي يمتنع من صغار السباع فهذا يحرم التقاطه كالإبل
فإن أخذها ضمنها.
ومنها: ما له قيمة ولا يمتنع من صغار السباع، كـ شاة ونحوها، فهذا يمكن
التقاطه-إن أمن على نفسه وقدر على تعريفها- ثم يعرّفها سنة كاملة وتدخل في ملكه
قهرا، والأفضل تركها، وإن لم يأمن نفسه عليها فهو كغاصب، ويضمن مطلقا ولا
يملكها ولو عرّفها.
ويخيّر في الشاة ونحوها بيْن ذبحها وعليه القيمة أو بيعها ويحفظ ثمنها أو ينفق
عليها من ماله بنيّة الرجوع.
وما يخشى فساده له بيعه وحفظ ثمنه، أو أكله وعليه قيمته أو تجفيفه إن أمكن.
ويعرّف حولا كاملا عقب الالتقاط كل يوم أسبوعا ثم عُرفا، وإن احتاج مناديا فأجرته
على المُلتقط، ويملكه بعد التعريف حكما من غير اختيار.
ولا يتصرّف فيها قبل معرفة صفاتها أي: وعائها ووكائها وصفتها وجنسها، ويستحبُّ أن يعرف هذه الأشياء عند وجودها وأن يُشهد عليها، فمتى ما جاء صاحبها فوصفها لزمه دفعها إليه.
والسفيه والصبي يعرّف لقطَتُهما وليّهما فإن تركها بيدهما فتلفت ضمنها، وبعد أن
يعرّفها سنة فهي لهما لا الولي.
باب اللقيط
وهو طفل لا يعرف نسبه ولا رقّه نُبذ في شارع ونحوه أو ضلّ.
حكم أخذه فرض كفاية، ويسن الإشهاد على أخذه.
وهو: حر في جميع أحكامه، وما وُجد معه من مال كفراش تحته، أو غطاء فوقه أو
مالا في جيبه أو مطروحا قريبا منه له، ويُنفق عليه منه ملتقطه وإلّا فمن بيت المال،
فإن تعذّر فعلى من علم حاله من المسلمين فإن تركوه أثموا جميعا.
وهو: مسلم إذا وُجد في دار الإسلام، وإن كان فيها أهل ذمّة، وإن وُجد في ديار كفار فهو كافر.
وحضانته لواجده الأمين، وينفق عليه ممّا وجد معه بغير إذن حاكم.
ولا يقرّ اللقيط في يد ملتقطه إن كان: فاسقا أو رقيقا أو كافرا أو بدويا لا يستقر في مكان واحد.
وميراث اللقيط وديته لبيت المال إن لم يورّث وارثا، ووليّه في القتل العمد الإمام
يخيّر بين القصاص والدية، ولو جُني عليه-كأن قُطع طرفه- فهو وليّ نفسه وإن
كان صغيرا ينتظر بلوغه.
وإن ادّعى إنسانٌ أنه مملوكه لم يقبل إلّا ببينة، وإن أقرّ به رجل أو امرأة ذات زوج
مسلم أو كافر فنلحقه بها لا لزوجها.
وشرط أن يدعيه أحد أن ينفرد بدعوته به، وأن يُمكن أن يكون منه، ويُلحق به ولو
بعد موت اللقيط.
ولا يتّبع اللقيط الكافر في دينه-إذا ادعاه-، بل في النسب؛ إلّا أن يُقيم بيّنة تدل على أنه ولد على فراشه.
والمذهب: أنّ اللقيط إن اعترف في الرق، لا يُقبل منه إن سبق منه مناف أو لم يسبق.
وإن ادّعاه جماعة قُدم صاحب البيّنة مسلما كان أو كافرا حرا أو عبدا، وإن لم يكن
لهم بيّنة أو تعارضت عُرض على القافة وإن ألحقته باثنين أو أكثر ألحق به، ولا
يلحق بأكثر من أم.
وشرط القائف: أن يكون ذكرا عدلا مجربا بالإصابة.
كتاب الوقف
وهو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على برٍّ أو قُربة.
والمراد بالأصل: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله.
ويصح الوقف بالقول أو الفعل الدال عليه عُرفا، كمن جعل أرضه مسجدا وأذِن للناس
في الصلاة فيه أو أذّن فيه أو أقام، أو جعل أرضه مقبرةً وأذنَ للناس في الدفن فيها.
وصريح القول: وقّفت وحبستُ وسبلتُ فمتى أتى بصيغة منها صار وقفا.
وكنايتهُ: تصدقتُ وحرّمتُ وأبدتُ.
فتشترط مع الكناية: النية، أو اقتران لفظ الكناية بلفظ آخر صريحا أو كناية، أو اقترانها بحكم الوقف كأن يقول تصدّقت بكذا صدقة لا تُباع ولا تورث.
شروطه
الشرط الأول: أن تكون العيْن يُنتفع بها دائما من معيّن، فلا يصح وقف شيء في الذمّة، وأن ينتفع بها مع بقاء عينها.
ولا يصح أن يوقف عيْنا لا يصح بيعها.
ويصح وقف المصحف والماء والمشاع.
الشرط الثاني: أن يكون على برٍ إن كان على جهة عامة، كالمساجد والقناطر والمساكين وكتب العلم والأقارب من مسلم وذمّي، غير حربي ومرتد وكنيسة وبيعةٍ وبيْت نار
وصومعة، فلا يصح الوقف عليها، كذا كتب التوراة والإنجيل.
ولا يصح على قُطّاع الطريق، والمغاني والتنوير على القبر وتبخيره أو على من يقوم
عليها وعلى كل ما هو محرّم.
ولا يصح أن يوقف على نفسه، ويُصرّف في الحال لمن بعده كما لو
قال: هذا وقف عليّ ثم على المساكين، فينصرف على المساكين، فإن لم يذكر غير
نفسه فلا يصح فهو ليس وفقا ويورث عنه.
وعنه: يصح.
الشرط الثالث: أن يكون على معيّن يملك فلا يصح على مجهول، ولا على أحد هاذين، ولا على عبد ومكاتب، ولا على ملَك وجني وميّت وحيوان، وحملٍ أصالة، وقبر وعلى من سيولد أصالة.
ويصح على ولده وعلى من سيولد له، ويدخل الحمل والمعدوم تبعا.
الشرط الرابع: أن يكون الوقف ناجزا، فلا يصح مؤقتا أو معلقا إلّا بموت، ويكون وصية من الثلث.
ولا يشترط لصحة الوقف قبوله ولو كان على معيّن، ولا يشترط إخراجه عن يده.
وإن وقفَ على عبده ثم المساكين صرف للمساكين، وإن وقف على جهة تنقطع صحّ، كأن يقول: أوقفت على أولادي فقط، أو على أولادي ثم عبد فلان فينصرف بعد انقطاعه على ورثة الواقف من النسب بقدر إرثهم وإلّا فعلى المساكين.
ويجبُ العملُ بشرطِ الواقف في جمعٍ وتقديم وتأخير وترتيب ووصف ونظر وغير ذلك،
كأن لا يؤجر أو لا ينزل فيه فاسق ولا شرير.
والناظر على الوقف إما أن يكون بشرط الواقف، وإن لم يُعيّن وكان الوقف على
معيّنين فكل منهم ناظر على نفسه، وإن كان الوقف على غير معيّنين فالقاضي هو الناظر.
وإن وقف على ولده فهو للموجود منهم حين الوقف ولو كان حملا، فلو حدث وولِد له
بعد الوقف فلا يدخل، وعنه: يدخل حمل حدث بعد الوقف.
ويتشاركون بالسوية ثم بعد ذلك لأولاد بنيه، ويستحقّونه مرتبا وجدوا حين الوقف أو لا، ولا يدخل أولاد بناته إلّا بنص أو قرينة.
والعطف بـ ثمّ للترتيب، فلا يستحق البطن الثاني شيئا حتى ينقرض الأول، والعطف بواو للاشتراك.
ولو قال: على بنيه أو على بني فلان اختص بذكورهم فقط، باستثناء إن كانوا قبيلة
فيشمل ذكورهم وإناثهم.
وإذا أوقف على قرابته أو على قرابة زيد أو أهل بيته أو نسبائه فيشمل: الذكر
والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وأولاد جده وأولاد جد أبيه، ويستوي فيه الذكر
والأنثى والصغير والكبير، ولا يدخل من يخالف دينه.
وإن أوقف على جماعة يُمكن حصرهم وجَب تعميهم والتسوية بينهم، فإن لم يُمكن لم
يجب التّعميم وجاز التفضيل والاقتصار على بعضهم.
والوقف عقدٌ لازم بمجرّد القول فلا يجوز فسخه، ولا يُباع ولا يناقل به إلّا أن تتعطل
منافعه بالكلية، ويصرف ثمنه في مثله، فإن تعذّر ففي بعض مثله ويصير وفقا-البدل-
بمجرد الشراء.
ولو أنّ الوقف مسجد فما فضَل عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر؛ لأنّه انتفاع به
بجنس ما وقف له وجاز الصدقة به.
باب الهبة والعطية
الهبة: التبّرع بالمال بلا عوض، والعطيّة: التبرع بالمال عند الموت، والوصية:
التبرع بالمال بعد الموت.
الهبة: هي التبرع من جائز التصرف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته لغيره.
فلا تصح في المعدوم والمجهول، وإن شرط العاقد فيها عوضا معلوما فهي بيع
فيثبت فيها الخيار والشفعة، فإن كان العوض مجهولا لم تصح.
والهبة المطلقة لا تقتضي عوضا، وإن اختلفا في شرط عوض فقول منكره بيمينه.
ولا يصح أن يهب مجهولا كالحمل بالبطن واللبن بالضرع ولا ما لا يقدر على تسليمه
كالآبق والشارد، وتنعقد بالإيجاب والقبول القولي أو الفعلي-المعاطاة-.
وتلزم الهبة بقبض بإذن واهب ، وإن مات الواهب قبل القبض قام الوارث مكانه بالإذن والرجوع.
والهبة للصغير يقبضها وليّه.
ومن أبرأ غريمه من ديْنه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها كالعفو والإسقاط
برأت ذمته، ولو ردّه ولم يقبل، ولو كان المال المبرّئ منه مجهولا؛ إلّا أن يكون يجهله
ربّه وكتمهُ المَدين خوفا من أنّه لو علم لا يبرئه فلا صح الإبراء.
وتجوز هبة كل عين تباع، وهبة جزء مشاع منها إن كان معلوما، وهبة كلب يقتنى.
ولا تصح الهبة معلّقة ولا مؤقّتة إلّا نحو جعلتها لك عمرى أو ما بقيت فتصح، وتكون
لموهوب له ولورثته بعده، وإن قال: سكناها لك عمرك-وهب المنفعة- فهي عارية يرجع عنها متى شاء.
ومن وهب هبة، أو باع بيعا فاسدا ثم تصرّف فيه-الأول- فيصح وينفذ تصرّفه الثاني.
ويجب التعديل-الأب أو الأم- بعطية أولاده بقدر إرثهم، والمذهب: يجب التعديل بين
كل قريب وارث، فإن فضّل بعضهم على بعض يسوِّي وجوبا بأن يرجع بالعطية أو يُعطي من لم يعطه.
وتحرم الشهادة على التّخصيص أو التفضيل تحملا وأداء إن علم.
فإن مات الواهب قبل الرّجوع والزيادة ثبتت للمُعطى، إلّا أن يكون العطاء بمرض
الموت فهذا لا ينفذ ويتوقّف على إجازة الباقين.
ولا يجوز لواهب الرجوع في الهبة اللازمة، إلّا الأب فيجوز له الرجوع سواء قصد التسوية أو لا.
ولا يمنع الرّجوع نقص العين الموهوبة، أو تلف بعضها أو زيادة منفصلة، ويمنعه
زيادة متصلة، وكذلك بيعه وهبته ورهنه ما لم ينفك.
وللأب-دون الأم والجد-أن يأخذ ويتملّك من مال ولده ما لا يضر الولد ولا يحتاجه،
وسواء كان الوالد محتاجا أو لا، وليس له أن يتملّك ما يضرّ بالولد ولا ما تعلّقت به
حاجته، ولا ليُعطي ولدهُ الآخر ولا بمرض أحدهما المخوف.
وتصرّف الأب قبل تملّكه مال الولد أو قبل الرجوع بهبته باطل.
والتملك إما أن يكون بالقول مع القبض ، أو بالنية مع القبض.
وليس للولد أن يُطالب الأب بديْن مع ثبوته في ذمّة الأب، ويُطالبه بالنّفقة الواجبة عليه فله مطالبته بها و وحبسه عليها، وله الطلب بعين ماله عند أبيه كـ العارية.
ولو مات الابن فليس لورثته مطالبة الأب بديْن ونحوه كمورثهم بل بعينٍ، ولو مات
الأب رجع الابن بدينه من التركة.
تصرفات المريض
من مرضهُ غير مخوف فهذا تصرّفه كتصرف الصّحيح، والمرض المخوف الذي
يغلب على الظن الموت منه، فحكمه حكم الوصية فلا يصح إلّا بحدود الثلث ولغير الوارث.
والمرض المخوف: ما قاله طبيبان مسلما عدلان أنّه مخوف فهو مخوف، كذلك ما أثبته الطب الحديث.
ويضاف إلى المخوف: من وقع الطاعون ببلده، ومن وقف بالصفين عند التحام الحرب،
ومن كان عند البحر عند هيجانه، ومن أخذها الطلق عند الولادة أو حبس لقتلٍ، فلا يلزم
تبرّعه لوارث بشيء، ولا لما فوق الثلث ولو لأجنبي إلّا بإجازة الورثة له.
المرض الطويل المزمن: كجذام وسل وفالج إن لم يقطعه في فراش فعطاياه من كل
ماله؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت منه، و إن ألزمه الفراش فعطاياه كوصية.
والعبرة بالثلث وقت الموت؛ لأنه وقت لزوم الوصايا واستحقاقها، ونماء العطية من
القبول للموت تبع لها.
الفرق بين العطية والوصية
أولا: يساوى بيْن المتقدم والمتأخر بالوصية، لأنها تبرع بعد الموت، أمّا العطية فيبدأ
بالأول ثم الثاني وهكذا على الترتيب؛ لأنها في الحياة غير الوصية.
ثانيا: إذا أقبضه العطية فلا يملك الرجوع فيها وتكون لازمة، بعكس الوصية فله أن
يتراجع قبل الموت.
ثالثا: قبول العطية يُعتبر في الحياة، بينما الوصية فهي تمليك بعد الموت، فلا يعتبر قبولها إلّا بعد الموت.
رابعا: يَثبت ملكه للعطية عند قبولها في الحياة، أمّا الوصية بخلاف ذلك فلا تملك إلّا بعد الموت.
كتاب الوصايا
وهي :التبرع بالمال بعد الموت.
تصح من البالغ الرّشيد والصبي العاقل والسفيه بالمال ومن الأخرس بإشارة مفهومة.
ويستحب لمن ترك خيرا وهو المال الكثير عُرفا أن يوصي بالخُمس، ولا تجوز بأكثر
من الثلث لأجنبي لمن له وارث، ولا لوارث بشيء إلّا بإجازة الورثة.
والوصيّة بالثلث فما دون لا تحتاج لإجازة الورثة، وتصح تنفيذا إذا أجاز الورثة
للوارث أو لأجنبي أكثر من الثلث.
وتكره وصية فقير عُرفا وارثه محتاج؛ لأن قرابته المحتاجين أولى، وتجوز الوصية
بالكلّ لمن لا وارث له .
وإن أوصى لوارثٍ فصار عند الموت غير وارثٍ فنمضي الوصية، فالعبرة بكونه وارثا
أو غير وارث عند الموت، كذلك من أوصى لغير وارث فصار عند الموت وارثا لم تصح الوصية.
وإن أوصى لمعيّن لم يصح قبوله إلّا بعد الموت، وإن كانت الوصية لغير معين
كالفقراء وكبني تميم، ولمصلحة كمسجد، أو أوصى أن يُحجّ عنه لم تفتقر إلى قبول،
ولزمت بمجرّد الموت.
والملك يثبت للموصى له بالقبول عقب الموت، والصحيح: أن الملك حين القبول كسائر العقود.
فالمذهب: ثبوت الملك من حين القبول لا من حين الموت.
ومن قبِل الوصية ثم ردّها ولو قبل القبض لم يصح الرد؛ لأن ملكه قد استقر عليها بالقبول.
ويُخرج وصي فوارث فحاكم الواجب كلّه من ديْن وحج ونحوه، كزكاة ونذر وكفارة وإن لم يوصِ به.
فإن قال: أدوا الواجب من ثلثي بُدء بالواجب، فإن بقي من الثلث شيء أخذهُ صاحب
التّبرع، وإن بقي من الواجب شيء تممّ من رأس المال.
باب الموصى له (المستفيد من الوصية)
تصح الوصية لمن يصحّ تملّكه من مسلم وكافر معيّن.
وتصح لمكاتبه ومدبره وأم ولده، ولعبده بمشاع كثلثه ويعتق منه بقدره.
ولا يصح إن أوصى له بمائة أو بمعيّن فلا تصح الوصية له-أي:للعبد-.
وتصح الوصية بحمل معين تحقّق وجوده قبل الوصية، ولا تصحّ لما تحمل به هذه
المرأة لأنه معدوم.
وإن أوصى أن يحج عنه بألف صُرِف من ثلثه مؤنة حجّة بعد أخرى حتى تنفذ الألف، فلو لم تكفي الألف حج به من حيث يبلغ، فيقلل التكلفة.
وإن قال: حجة بألف، دفع لمن يحج به واحدة وإن كانت الألف لا تكفي حجة كاملة
فبقدره كأن يكلف أحد من أهل مكة ليكون أقل تكلفة.
ولا تصح الوصية لملَك وجنيٍ وبهيمة وميت-إن قصد تمليكهما-، فإن أوصى لحيٍ
وميّت يعلم موته فالكل للحي.
ولا تصح الوصية لكنيسة وبيت نار ولا لعمارتهما ولا لكتب التوراة والإنجيل ونحوهما.
وإذا أوصى بمالهِ كلّه لابنيْه وأجنبي إذا أمضيا الوصية سيأخذ الأجنبي الثلث، وإن ردا الوصية فللأجنبي التُسع؛ لأنه بالرد رجعت الوصية إلى الثلث.
وإن أوصى بثلثه للمساكين فأقاربه غير الوارثين إن كانوا فقراء فهم أحق به.
باب الموصى به
تصح بما يعجز عن تسليمه: كآبق وطير في هواء وحمل في بطن ولبن في ضرعٍ.
وتصح في معدوم كما تحمل أمَته أو شجرته لأمد أو مدّة معيّنة.
فإن حصل شيء فهو للموصى له، وإلّا بطلت الوصية؛ لأنها لم تصادف معيّنا.
وتصح الوصية بنفع مباح، ككلب حرث وماشية وزيت متنجس لغير مسجد، وللموصى
له ثلثهما-الكلب والزيت- إن لم تُجز الورثة الكل.
وتصح بمجهول كعبد وشاة، ويعطى الموصى له بما يقع عليه اسمه أنه عبد أو شاة ونحوه، فإن اختلف الاسم في الحقيقة والعرف قدّم العرف، اختاره الموفق.
والمذهب: تقديم الحقيقة اللغوية.
وإن أوصى بثلثه ونحوه فاستحدث مالا ولو دية دخل ذلك في الوصية.
ومن أوصي له بمُعيّن فتلف قبل موته وقبل قبوله بطلت الوصية.
باب الوصية بالأنصاب والأجزاء
إذا أوصى له بمثل نصيب وارث معيّن، فله مثل نصيبه مضموما إلى المسألة.
فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فللموصى له الثلث، وإن كانوا ثلاثة فللموصى له الربع، وإن كان معه بنت فللموصى له التسعان.
وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيّن فنعطيه الأقل.
وإن أوصى بسهم من ماله فله السدس، وإن أوصى بشيء أو حظ أو نصيب أعطاه
الوارث ما شاء من متموّل.
باب الموصى إليه
تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف عدل رشيد، ولو امرأة.
وإن أوصى لزيد ثم أوصى لعمرو ولم يعزل الأوّل فكلاهما وصي، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله الوصيّ موصٍ له دون الآخر، وإن مات أحدهما يقام مكانه غيره.
ويصح قبول الموصى له الوصيّة بحياة المُوصي وبعد موته، وله عزل نفسه متى شاء، وليس له أن يوصي إلّا أن يُجْعل له.
ولا تصح الوصية إلّا بتصرف معلوم يملكه الموصي، كقضاء ديْنه وتفرقة ثلثه ونحوه.
ومن وصِّي إليْه في شيء لم يصر وصيًّا في غيره.
ومن أُوصي إليه بقضاء الدين فأباهُ الورثة أو جحدوه قضاهُ باطنا بغير علمهم إن أمِن التبعة.
وكذا إن أوصي إليه بتفريق ثلثه فأبوا أو جحدوا أخرج ممّا في يده باطنا.
وتصح وصية كافر لمسلمٍ إن لم تكن ترِكته نحو خمر، وإلى عدل في دينه، وإن ظهر
على الميت ديْن يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي الثلث الموصى إليه بتفرقته لم
يضمن لرب الدين شيئا.
وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت، لم يأخذه لنفسِه ولا يدفعه لولده ولا لسائر ورثته؛ لأنه
متَّهم بحقهم أغنياء كانوا أو فقراء.
ومن مات بمكانٍ لا حاكم فيه ولا وصي جاز لبعض من حضره من المسلمين تولّي
ترِكتهُ وعملِ الأصلح فيها من بيع وغيره، ويكفّن منها؛ فإن لم تكن معه تركة فمن
عند من حضره، ويرجع على من تلزمه نفقته إن نوى الرجوع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق