كتاب البيوع من أهمّ ما يُمكن أن يتعلّمه المُسلم في حياته.
البيع في اللغة: الأخذُ والإعطاء.
وشرعا: مُبادلة عيْنٍ ماليّة ولو في الذمّة، أو منفعةٍ مُباحة بمثل أحدهما على التّأبيد.
ينعقدُ البيع بإيجاب وقبول وهي الصيغة التي تُظهِر رغبة العاقدين بإجراء العَقد.
الإيجاب: ما صدر من أحدِ العاقديْن رغبة بإجراء العقد وبعضهم قيّده للبائع فقط، والقبول: موافقة الطرف الثاني من العاقديْن على إجراء العقد.
ولا يضرُّ تراخي الإيجاب بشرط أن يكونا في المجلس-لم يتفرّقا- وإن كانا في المجلس لكن تشاغلا بموضوع آخر قطع الاتصال بينهما فلا يصح فلا بد أن يكون متصلا.
وينعقدُ العقدُ بالمُعاطاة دون التكلّم، هذا يُعطيه السلعة، وهذا يُعطيه الثمن فيصحّ ذلك.
شروط البيع
شروط البيع سبعة، إذا اختلّ شرط منها بطل العقد.
الشرط الأول: الرضا، إلّا من مُكرهٍ بحق، فإن اختلّ شرط رضا المُتعاقدين بطلَ العقد.
والمُكرَه بحق كأن يجبُر الحاكم المفلس أن يبيع مُمتلكاتهِ ليسدّد ديون الناس.
الشرط الثاني: كون عاقدٍ جائز التصرف، فلا يصح من صغير وسفيه بغير إذن وليّه، ويصح من المميّز والسفيه إن أَذِن له وليّه.
الشرط الثالث: كون مبيعٍ مباحًا نفعُه بلا حاجة، فما أبيح نفعه للحاجة لا يجوز بيعه كالميتة.
وحرم بيع مصحفٍ، ولا يجوز أن يُعطى لكافر.
الشرط الرابع: كون عاقدٍ مالكا أو مأذونا له، فلا يصح من فضولي إلّا إذا اشترى في ذمّته، ولم يسميه في العقد، وينويها لصاحبه، فتصح بالإجازة وإلّا لزِم المُشتري أخذها لنفسه.
الشرط الخامس: أن يكون قادرا على تسليم السلعة، فلا يصح بيع آبقٍ وشارد وطيرفي هواء، وسمك بماء، ومغصوب إلّا لغاصبه أو قادر على أخذه منه.
الشرط السادس: كون مبيع معلوما برؤية أو وصف يكفي أن يكون سلمًا.
فلا يُباع حمل في بطن، لأنه قد يخرج مُشوّها أو ميتا ففيه غرر، ويجوز إن كان الحمل تبعا.
ولا يصح أن يكون مجهولا كأن يقول: بعتك عبدا من عبيدي، أو بعتك عبيدي إلا واحدا.
ويصح بيع حيوان إلا جلده وأطرافه ورأسه، لا أن يستثني شحمه لأنه مجهول مخفي فلا يجوز استثناؤه.
ويجوز بيع الحب بسنبلة، والباقلاء بقشرها للمشقة.
الشرط السابع: كون ثمنٍ معلوما، فلا يجوز بيْعه بما ينقطع به السعر لأنه مجهول.
تفريق الصفقة
إذا اجتمع ما يجوز بيْعه مع ما لا يجوز بيعه في صفقة واحدة صحّ فيما يجوز بيْعه، وبطلَ فيما لا يجوز بيعه، ولها صور:
الصورة الأولى: من باع معلوما ومجهولا، صفقة واحدة صحّ في المعلوم بقسطه ما لم يتعذّر علم المجهول، كأن يقول: بعتك هذا الثوب وشاة من شياهي بخمسين دينارا، فيصح بشرط أن يكون كل منهما معلوما ثمنه، فإن تعذّر بطل فيهما.
الصورة الثانية: من باع جميع ما يملك بعضه، فيصح في ملكه بقسطه ولمشتر الخيار.
الصورة الثالثة: إن باع ملكه وملك غيره، كعبده وعبد غيره بلا إذنه، أو عبدا وحرا، أو خلا وخمرا، فيصح في ملكه بقسطه ولمشتر الخيار.
البيوع المنهي عنها
لا يصح البيع ممن تلزمه الجُمعة بعد نداءها الثاني، إلّا إذا كان لشيء ضروري، كأن يشتري ما يَسترُ به عورته ونحو ذلك.
ويصح النكاح وسائر العقود، وفي رواية: لا تصحّ سائر العقود.
ولا يصح بيع زبيب ونحوه لمتّخذه خمرا، ولا سلاحا في فتنة، ولا عبد مسلمٍ لكافر إن لم يُعتق عليه، وإن أسلم في يده يُجبر على أن يزيل ملك هذا العبد عنه.
ويجوز الجمع بين عقديْن في عقد واحد مختلفين كبيع وإجارة، إلّا الكتابة فلا يصح معها عقد آخر.
ويحرم بيع على بيع مسلم، وشراءٌ على شرائهِ ، وسومه على سومه بعد صريح الرضا.
والمساومة قبل إبرام العقد لا يخلو حال العاقدين من أمرين:-
إما أن يركن البائع للمشتري ويرضى كل منهما بالصفقة أو لا، فإذا رضي كل منهما بالصفقة وحصل الاتفاق المبدئي فيحرُم السوم من طرف ثالث سواء كان مع البائع أو المشتري، ويصح العقد، وإن لم يركن أحدهما للآخر -أي:ما زالوا في مرحلة المفاوضة- فيجوز السوم من طرف ثالث بلا كراهة.
وإذا تم إبرام العقد لكن لا زالوا في مرحلة الخيار -خيار المجلس أو الشرط- ففي هذه الحالة يدخل البيع على بيع المسلم وشراؤه على شرائه فلا يصح العقد.
وإذا لزم العقد وانتهى الخيار فلا يضر البيع على بيع المسلم ولا أثرَ له.
ومن باع ربويا-المال المخصوص الذي تجري عليه قواعد الربا- بجنسه كبُرٌ ببُرٌ، فيشترط أن يكونا مُتماثليْن في القَدر وأن يتمّ التقابض دون تأجيل، وإن كان من جنس آخر فيشترط التقابض دون التماثل.
مسألة العينة
وهي: أن يبيع رجل لرجل عيْنا نسيئة ثم يشتريها منه نقدا بأقل من الثمن الأول، وهو: تحايلٌ على الربا فلا تجوز، وكذا عكسه أي: أن يشتريها نقدا ويبعها له مؤجلة بغير الثمن الحال وهي تسمى عكس العينة.
ويجوز بيع العينة في حالات:
إذا اشترى السلعة بالأجل ثم اشتراها منه بغير جنس الثمن الذي في ذمته عليه فيصح ذلك.
ويصح بيع العينة إذا سدد المشتري المبلغ الذي عليه والسلعة عنده، فيصح ذلك، فالممنوع أن يبيعه السلعة قبل أن يُسدّد ثمنها.
ويصح إذا تغيرت صفة المبيع، وإذا باع السلعة لغير المشتري، فلو باعها لطرف آخر ثالث يصح ويسمّى: التورق.
وفي رواية: أنها محرمة، وفي رواية: مكروهة.
الشروط في البيع
وهي نوعان:
النوع الأول: شروط شرعيّة، النوع الثاني: شروط جعلية.
الشرعية: التي أقرّها وجعلها الشارع، الجعلية هي: التي يشترطها أحد العاقدين في البيع.
الشروط في البيع: إما صحيحة وإما فاسدة.
الشروط التي يصح أن تُشترط في العقد ثلاثة-:
الأول: الشروط التي هي من مُقتضى العقد، كأن يشترط المُشتري أن ينتفع بالسلعة، وهذا تحصيل حاصل فهو من مقتضى البيع.
الثاني: اشتراط صفة معيّنة في المبيع، كأن يشترط في الدابة أن تكون سريعة، وهذا لا بأس به مهما تعددت الشروط.
الثالث: أن يشترط أحد العاقديْن الانتفاع في المعقود، فيجوز بشرط أن لا يزيد على شرط واحد، فإن جمع بين شرطين -كحمل حطب وتكسيره- بطل البيع.
الشروط الفاسدة أنواع:
الأول: اشتراط عقد في عقد، كقوله: أبيعك بشرط أن تؤجّرني.
الثاني: أن يشترط شرطا مخالفا لمقتضى العقد، كقوله: أبيعك البيت على أن لا تؤجّره،
فالشرط فاسد، والبيع صحيح.
و من باع بشرط البراءة من كل عيْب لم يبرأ ما لم يعيّنه أو يُبرئه المشتري بعد العقد.
الشرط الثالث: إن علّق العقد على شرط مستقبل لم يصح، ولا ينعقد معه العقد.
باب الخيار
وهو: طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه.
وقيل: هو حق العاقد في فسخ العقد استقلالا دون اشتراط رضا الطرف الآخر.
أقسامه:
الخيار الأول: خيار المجلس، فلهما الخيار ما لم يتفرّقا، فإذا تفرّقا لزِم العقد، ويثبت في عقود البيع وما في معناها كالإجارة وعقد الصرف، دون عقد النكاح والوقف والمساقاة فلا يثبت فيها.
والتفرّق هو: أن يتفرّقا في أبدانهما عرفا.
وإن أسقطاه أو تبايعا أن لا خيار سقط، ولا يسقط قبل العقد، وإن أسقطه أحد الطرفين لم يسقط عن الآخر.
الخيار الثاني: خيار الشرط، أن يشترطَ في العقد أحدهما أو كلاهما لنفسه حق الخيار في الفسخ لمدة معلومة، وإن لم تكن معلومة فلا خيار.
وتبدأ المدة من حين العقد لا بعده، ويسقط خيار الشرط إذا مضت المدة، أو أسقطاه، أو أسقطهُ صاحب الخيار عن نفسه.
ويثبت في البيع وما في معناه غير نحو صرف وعقد إجارة إلا في حالتين:
الأولى: أن تكون الإجارة في الذمة -موصوفة- فيجوز خيار الشرط لأنه لم يصادف مُدة الإجارة، فلا يجوز أن يقترن خيار الشرط مع عقد الإجارة، لأن المستأجر يملك منفعة العين المؤجرة وتضعف بسبب الخيار.
الثانية: أن تكون الإجارة مُدّة لا تلي العقد أي: بشرط أن لا يمتد هذا الخيار إلى حين بدء الإجارة، ويصح الخيار إلى الغد أو إلى الليل ويسقط بأوله.
ولمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة الآخر أو سخَطه فلا يشترط رضاه.
والمُلك مدة الخيارين -المجلس والشرط- لمشتر فله نماؤه متصلا كان أو منفصلا، وله وكسْبُه، وعليه نقصه وتلفه إن ضمنه.
ولا يصح تصرّف أحد العاقديْن في المبيع أو ثمنه مدة الخيار إن كان الثمن مُعيّنا، كالسيارة ونحوها، -لغير تجربة- وغير المُعيّن كالنقود.
وإن اشترط المشتري الخيار ثم تصرّف في المبيع سقط خياره
ولا يسقط خيار البائع إن تصرّف هو، لأنه ليس له التصرف أصلا ولا قيمة لتصرّفه.
ويسقط الخيار بموت أحدهما، فلا يطالب به الورثة إلّا إذا تكلّم العاقد قبل موته بالخيار وطلبه، فُيطالب به الورثة في هذه الحالة.
الخيار الثالث: خيار الغبن، إذا غُبن في البيْع غبنا فاحشا خارجا عن العادة.
ويدخل فيه زيادة الناجش: وهو الذي يزايد في السلعة لا رغبةً في شرائها وإنّما ليغري من يشتريها فإن ثبتَ فللمُشتري الخيار.
والمسترسل: وهو الذي لا يحسن المُماكسة فإن ثبت وغُبن فلأهله الخيار.
وفي تلقي الركبان وهو أن يأتي الركبان-أهل البادية والمناطق البعيدة- معهم بضاعة للبيع ولا يعرفون سعر هذه البضاعة في هذا البلد، فيخرج لهم على أطراف البلد أُناس يتلقونهم ويشتروها بأقل من أسعار هذا البلد فإن ثبت فللركبان الفسخ.
الخيار الرابع: خيار التدليس، كتسويد شعر، وتصرية لبن في ضرع ونحوه، ويردّ مع مصراة بدل اللبن صاع تمر.
الخيار الخامس: خيار العيب، وهو ما نقص من قيمة المبيع، كمرض وزيادة عضو أو سن أو فقدهما، ويثبت في حال عدم علم المشتري بهذا العيب، فلو علم قبل البيع فلا حقّ له بالفسخ، ويخيّر فيه بين الإمساك مع الرضا، أو الرد مع أخذ ما دَفع من المال أو أخذ الأرش وهو: قسط ما بين قيمة السلعة مبيعة وقيمتها سليمة.
وإن تلف المبيع أو عتق تعيّن أرشه، وإن تعيّب عيْبا آخر عند مشتر فإمَا أن يُمسكه ويأخذ الأرش-العيب الأول- وإمّا أن يردّه ويدفع هو أرش العيب الذي حصل عنده.
وخيار العيب متراخٍ ما لم يوجد دليل على الرضا بالعيب، وإن اختلفا عند من حدث العيب مع احتمال فقول مشترٍ بيمينه.
فإن كان العيب لا يحتمل إلّا أحدهما وتدل الدلائل على أنه حصل عند البائع قُبل قول المشتري بلا يمين وله الخيار.
الخيار السادس: خيار التخبير بالثّمن، وهو خاص ببيوع الأمانات وهي: البيوع التي يُفصح فيها البائع عن رأس المال.
فإن باعه برأس المال وربحٍ معلوم فيسمى: المُرابحة، وإن كان باعه برأس المال فقط فيسمى: التولية، وإن باعه برأس المال مع خسارة فيسمى: وضيعة.
فإن عرفنا أنّ البائع قد غشّ المُشتري في رأس المال، أو أن يكون اشتراها ممن لا تُقبل شهادته له، فله الخيار، كذا إن كان اشتراها بأكثر من ثمنهِ حيلة أو لرغبة تخُصه فقد يقبل الشخص السلعة لرغبة فيه ولحاجة ولو كان بثمن مرتفعا فلمشترٍ الخيار بيْن الإمساك أو رد.
وأما بيْع المُرابحة ونحوه قإذا بان خلاف إخباره سقط زائد أي: الفرق بين رأس المال القديم والحقيقي.
وإذا كذب البائع لا في قدر المال بل في أنّه غير مُؤجل فلمشتر أن يطلب أن يُؤجّل له فقط ولا خيار.
الخيار السابع: إذا اخلتف البائعان في الثمن -في قدره- ولا بيّنة تحالفا ثم لكل الفسخ إن لم يرضَ أحدهما بقول الآخر، فإن نكل أحدهما عن اليمين حُكم للحالف.
وإن اختلفا في صفة الثمن أخِذ بنقد البلد، ثم غالبهِ -العملة الغالبة- إن كان في البلد يؤخذ بأكثر من عملة فإن لم يكن هناك غالب فيؤخذ بالعملة الوسط.
وإذا اختلفا في أجلٍ أو شرط فقول من ينفيه فالأصل عدم الشرط والتأجيل، كما لا يقبل قول من يدعي إفساد العقد، وإن اختلفوا في عينِ مبيع أو قدره فقول بائع.
وإن أبى كلٌ منهما التسليم حتى يُقبِضَه الآخر يُؤتى برجل ثالث يقبض منهما ويسلم المبيع ثم الثمن.
الخيار الثامن: خيار للخلف في الصّفة، وتغيّر ما تقدمت رؤيته فلمشتر حق الفسخ.
فصل
وما اشْتُري بكيل ونحوه -كالموزون والمذروع- لزِم بالعقد ولا يصحُّ تصرّفه فيه حتى يَقبِضه، وإن تلِف قبل قبضه بآفة سماوية فيضمنه البائع.
ويبطل البيع بتلفه بآفة -أي: إن جاءت جائحة اجتَاحت جميع مالِه- فيبطل البيع، ويلزمهُ أن يردّ للمشتري ماله.
وإن كانت السّلعة مما لا يُكال ولا يُوزن ولا يُذرع ولا يُعدّ فيجوز بيعها قبل قبضها، وهي من ضمان مشتر فلو تلفت وهي عند البائع فيضمنها المشتري، إلّا إذا كانت هذهِ السلعة قد حبَسها البائع ومنع المشتري من استلامها فلا يضمنها المشتري ولا يجوز له بيعها.
ويحصل قبضُ ما بيع بوزن أو كيل أو ذرع أو عدٍّ بذلك، ويحصل قبض صبرة وما ينقل بنقله، وما يُتناول بتناوله، وما عدَاه كالعقارات ونحوها بالتخلية.
الإقالة
وهي: اتفاق الطرفين على فسخ العقد ولا تكون إلا برضا الطرفين، وهي لا ترِد إلا على العقُود اللازمة.
وهي: فسخ وليْست بيعا، وتُندب إقالة نادم، ولا ترتبط بالقبض، فتصحّ الإقالة قبل قبض مبيع أو بعده.
وتُمنع الإقالة إن تلفَ المعقود عليه، أو مع موت أحد العاقديْن فلا يُطالب به الورثة، ولا تصحّ مع زيادة ثمن ولا نقصه، أو بغير جنسه.
باب الربا والصرف
وهو لغة: الزيادة، واصطلاحا: زيادة مخصوصة، في أصناف مخصوصة في الأجل أو في القدر.
وهو نوعان:
النوع الأول: ربا الدّيون، النوع الثاني: ربا البيوع.
ربا الديون وهو: الزيادة المشروطة في مقابل الأجل، فالممنوع إن كانت مشروطة الزيادة أو متعارف عليها.
ربا البيوع وهو نوعان:
الأول:ربا الفضل، الثاني: ربا النسيئة.
وعلة الربا: الوزن والكيل.
قواعد:
قاعدة:عند مُبادلة الجنس الربوي بجنسه يشترط شرطان:
الشرط الأول: التماثل، الشرط الثاني: التقابض، ولا يضرّ اختلاف النوع.
قاعدة: عندَ مُبادلة جنس ربويٍ بجنس آخر تجمعهُما علّة ربوية واحدة يُشترط التقابض فقط كالبر بالشعير.
قاعدة: عند مُبادلة جنس ربويٍ بجنس آخر غير ربوي أو بجنس آخر لا تجمعهما علّة ربوية واحدة كمبادلة المكيل بالموزون فلا يشترط التقابض ولا التماثل.
الصرف: مبادلة النقد بالنقد، والنقود من الأصناف الربوية.
يُحرم ربا الفضل والنسيئة: بالقرآن والسنة والإجماع.
والفضل في اللغة: الزيادة، واصطلاحا: زيادة أحد البدليْن عند مبادلة الجنس بجنسه بالأصناف الربوية.
ولا يُباع مكيل بجنسه ولا موزون بجنسه إلا مِثلا بمِثل يدًا بيد.
فالمعيار الشرعي بالمكيلات الكيل، فإذا بادلنا المكيلات بالوزن اختلّ هذا المعيار الشرعي فلا يُمكن ضبط التماثل، وهذا يصدق على موازينهم القديمة، وفي هذا العصر تغيّرت هذهِ المعاير وأصبحت المكيلات موزونة.
ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ولا بيع حب بدقيقه-شعير بشعير مطحون- أو سويقه -وهو طحن البر وإضافة بعض الأشياء عليه،- ولا نيئه بمطبوخه، ولا خالصه بمشوبه؛ لجهل التماثل بينهما، كذا رطبه بيابسه كالرطب بالتمر، إلا في العرايا .
ويصح بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا نعومة، وخُبزه بخبزه إذا استويا رطوبة أو نشافا،و لا يصح بيع التمر منزوع النوى بتمر فيه نوى.
ولا يصح بيع ربويٍ بجنسه ومع أحد البدلين أو معهما شيء آخر لأنه ذريعة للتفاضل. بين الأصناف الربوية، كمُد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، أو بدرهم فقط، أو درهم ومد عجوة بمديْ عجوة.
ربا النسيئة
وهو لغة: التّأجيل، يحرم بين كل مكيليْن وموزونيْن ليس أحدهما نقدا.
ويستثنى من ذلك النقد، فأجازوا مبادلة النقد وإن كان موزونا بموزون آخر نسيئة، كمبادلة الذهب بالحديد نسيئة فيصح.
فعلّة النقد الثمنية وأجناسه جميع عملات العالم فعند مبادلة العملة بمثلها يحرم التفاضل والأجل، وبعملة أخرى يحرم الأجل فقط.
فإن تبادلا شيئيْن ربويين تجمعهما علة واحدة كبرٍ بشعير وتفرقا قبل قبض بطل البيع كالصرف.
والصرف: مبادلة النقد بالنقد فإذا أعطاه الذهب ولم يعطه الفضة بطل كذا بقية العملات فلا يجوز التفرّق قبل القبض.
ويجوز الأجل في بيع مكيل بموزون، وما لا كيل فيه ولا وزن-غير ربوي- فلا يشترط فيها التقابض ولا التماثل.
ولا يجوز بيع ديْن بدينٍ، كأن يجري عقد ويؤجل البدلين، فيشتري سيارة والسيارة مؤجّلة والثمن مؤجل فهذه مبادلة دين بدين.
وتتعيّن دراهم ودنانير بالعقدِ فلا تبدل وهذا قديما، وإن كانت مغصوبة أو مَعيبة من غير الجنس بطل، ومعيبة من الجنس أمسك أو رد ولا أرش إن اتحد الجنس.
العيب من غير الجنس كأن يكتشف أن الدنانير غير ذهبية ومن الجنس كأن يكون الذهب مخلوطا .
فإن كانت وجدها ذهبا ردها وبطل البيع، وإن كانت ذهبا لكنه فيه خراب فيُخيّر بين إمساك أو رد، وإن كان هذا الذهب الذي دفع له مقابل ذهب فلا يجوز له أخذ الأرش.
وإن كان الذهب مقابل سلعة أخرى يُخيّر بين الإمساك مع الأرش أو الرد.
باب بيع الأصول والثمار
من باع دارا شمِل أرضها وبناءها وبابها المنصوب وسلما ورفا منصوبين -خرج به الأثاث والمعدات غير المركبة- لا حبلا ومفتاحا مع قفله وكنز ونحوها من الأمور المنقولة.
ومن باع أرضا شمل غراسها وبناءها وإن لم ينص عليها المشتري.
الغراس: ما له ساق كالنخل، والزرع: كالبر والبصل وما لا جذور له، ولا يملكها المشتري بل تبقى للبائع، كذلك الثمرة، وما يُجز ويلقط مرارا فأول جزّة ظاهرة لبائع، وكذا لقطة أولى فلبائع ثم للمشتري إن لم يشترطه.
باب بيع الأشجار والثمار
من باع نخلا عليه ثمر بيّن تشقق طلعه -لم يبدو صلاحه- فالثمرة للبائع لأنه خرج من سقيه فالثمرة له، ويلزم المشتري أن يتركه إلى وقت الجذاذ ما لم يشترطه مشتر، وكذا شجر عنب وتوت ورمان ونحوه.
وما خرج من نوْره كمشمش أو أكمامه كورد فلبائع، وما قبل ذلك لمشترٍ كورق.
ولا يبيع ثمرا قبل بدو صلاحه لأن فيه غررا، ولا حب زرع قبل اشتداد حبه فبدو الصلاح بالنسبة للحب الاشتداد.
ولا بقل وقثاء ونحوه دون أصله إلا بشرط قطعه في الحال أو جزة جزة أو لقطة لقطة.
وحصاد ولقاط أجرتها على المشتري لا على البائع.
وإن اشترى ثمرًا لم يبدو صلاحه ثم تركه حتى زاد، أو رطبا عرية وتركه حتى أتمر بطل البيع في الحالتين.
ولا يبطل البيع لو اشترى الثمرة بعد بدو الصلاح ولو اشتبهت ويصطلحان.
وما بدا صلاحه جاز بيعهُ مطلقا وبشرط التّبقية وعلى بائع سقيه إن احتاج ولو تضرر أصله، وإن تلِف بآفة سماوية فيضمنه البائع، وبفعل آدمي فيُخيّر مشتر بين الفسخ وأخذِ الثمن أو الإمضاء ومطالبة المُتلف بالبدل.
وصلاح بعض شجرة صلاح لجميع نوعها في البستان، وصلاح نحو بلح وعنب طيب أكله وظهور نُضجهِ، ونحو قثاء أن يؤكل عادة، وحب أن يشتد أو يبيضّ.
ويشمل بيع دابة عذارا-اللجام-، ومقودا-العنان-.
والعبد يدخل في البيع لباسهُ المعتاد، لا لبس جمال ولا مالا معه إلّا بشرط.
باب السلم
وهو في اللغة: السلف.
واصطلاحا: هو عقد على موصوف في الذمّة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
يصح بلفظه وبلفظ سلم وبيع، لأنّ العبرة بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني.
شروطه:
الشرط الأول: أن يكون المبيع مُنضبطا وصفاته واضحة بيّنة، فلا يصح في معدود مختلف، لعدم انضباط المبيع كفواكه وبقول وجلود ورؤوس، ولا فيما يجمع أخلاطا غير متميزة كمعاجين، ويصح في حيوان وثوب منسوج من نوعين.
الشرط الثاني: ذكر جنسه ونوْعه ووصف يختلف فيه الثمن غالبا، ولا يصحّ شرط أجود أو أردئ بل جيد ورديء.
الشرط الثالث: ذكر القدر-الكمية- أي: ذكر كيْلٍ في مكيل، ووزنٍ في موزون فإن أسلم في مكيل وزنا أو عكسه لم يصح.
الشرط الرابع: ذكر أجلٍ معلوم، له وقع في الثّمن عادة فلا يصحّ حالا ولا إلى نحو الحصاد، ويصح في نحو خبز ولحم يأخذه كل يوم كذا.
وإن جاءه به قبل محلّهِ ولا ضرر، وجَب أخذه، وإن تضرر به لم يلزم أخذه.
الشرط الخامس: وجودهُ غالبا في وقت الحلول، لا وقت عقده، فإن تعذّر تسليم المُسلَم فيه يُخير المشتري بيْن الصبر والفسخ.
الشرط السادس: قبض ثمنه قبل التفرّق، وشرِط علم البائع: قدر الثمن ووصفه، فإن تأخر في بعضه بطل فيه فقط كصرف.
وإذا أسلم في جنس إلى أجلين أو عكسه-جنسين إلى أجل واحد- وبيّن كل قسط وثمنه صح.
الشرط السابع: أن تكون السلعة موصوفة في الذمة لا عينا، وإن أجري عقد السلم في بلدة أو مدينة ولم يتفقا على موضع التسليم، فالتسليم يجب أن يكون في مكان العقد.
وإن كان في مكان لا تُسلّم فيه البضائع عادة كالجو أو الصحراء فلا بد أن ينُصّا على مكان التسليم.
ولا يصح تصرف في مُسْلم فيه قبل قبضه، ولا أخذ عوضه ولا رهن أو كفيل به.
باب القرض
وهو لغة: القطع.
واصطلاحا: دفع مال لمن ينتفع به ويردّ بدله.
والأصل فيه أنه مندوب، وقد يختلف الحكم كمن أراد المال ليعمل عملا محرّما فلا يجوز إقراضه، وقد يكون مستحبا.
كلّ ما صح بيعه صحّ قرضه غير الرقيق، ولا يُملّك ولا يَلزم إلّا بالقبض.
والأصل أن يردّ المقترض مثل ما اقترضه ولزم قبوله إن كان مثليًّا ولم يتغيّر، إلّا فلوسا أو مكسرة حرّمها السلطان فقيمتها يوم عقد.
ويردّ مثلَ مِثلي، وإن أعوز المثل فقيمته.
ولا يجوزُ للمُقترض أن يدفع زيادة أو ينفع المقرض نفعا زائدا، كأن يسكنَ بيته شهرا، أو يُعطيه سيارته، أو يدفع له زيادة، لا إن دفع زيادة غير مشروطة ولا متعارف عليها، أو إعطاءه أجود أو هدية بعد الوفاء فلا بأس به.
وإن أهداه قبل الوفاء حرُم إلّا إن كانت دفعة في احتساب الدّين أو تجري عادته به معه قبل.
وإن اتفاقا على مكان السداد يجري الأمر على حسب اتفاقهما.
وإن طالب المُقرض المقترض السداد ببلد آخر لزم؛ إلّا إذا كان لحمله مؤنة -مشقة وكلفة- على المقترض فقيمته إن كانت ببلد قرض أنقص، فإن كانت قيمة القرض في بلد القرض كقيمته في بلد الطلب أو أعلى فيلزمهُ السداد لا القيمة.
باب الرهن
وهو في اللغة: مأخوذ من الثبات واللزوم.
واصطلاحا: توْثِقتة ديْن بعينٍ يُمكن استفاؤه منها أو من ثمنها.
يصح في كل عيْن صحّ بيعها حتى المُكاتب، ففي فترة المكاتبة يصح رهنه.
ويكونُ الرهن مع بداية الدين أو بعده لا قبله فلا يصح.
ويصح أن يكون الرهن المبيع نفسه-وهذا في المؤجّل- ولا يصح رهن ما كان مكيلا-قبل قبضه- ونحو مكيل، ويصح بعد قبضه.
ويلزم في حق راهن فقط بقبض، وجائز في حق المرتهن ، ولا ينفذ تصرف الرّاهن بالرهن، ويصح العتق فقط وتُؤخذ قيمته رهنا مكانه.
والنماء-المتصل والمنفصل- والكسب والأرش-لو جُني على المرهون- تبعٌ للرهن يبقَى عند المرتهن.
ونفقة الرهن على الراهن ككفنه، وأجرة مخزن.
ويدُ المرتهن يد أمانة لا يضمن إلا بتعد أو تفريط، ولا يقتص شيء من الدين في مقابلة التلف الذي حصل في الرهن ولو كان التلف من المرتهن، ولا ينفك بعض الرهن مع بقاء شيء من الدين.
وتصح زيادة رهن لا ديْن، وإذا حلّ موعد سداد الدّين وامتنع من أدائه فيُباعُ الرهن بإذنه فلو باعه بلا إذنه فالبيع باطل.
وإن كان الرّهن مساويا للدّين يأخذه، وإن كان أكثر من الدين يأخذ دينه ويرجع له الباقي، وإن كان أقل من الدّين يأخذه ويطالبه بما تبقّى له عليه.
وإن لم يأذن الرّاهن في البيع أجبره حاكم، فإن أصرّ باعه الحاكم عليه ووفّى .
ويُقبل قول راهنٍ في قدر رهن، وديْن ورده لا أنّهُ جنى أو أنه ملك، أي: إذا ادعى الراهن أن هذا الرهن ملك للغير فإذا انتهى الرهن وسدد الدين، يؤاخذ بكلامه بعد فك الرهن.
ولمرتهن ركُوب وحلب بقدرِ نفقته بغير إذن متحريا العدل وإن أنفق المُرتهن على الرهن بنية رجوع وتعذّر استئذان مالك رجع فإذا كان بإمكانه الاستئذان ولم يستأذن لم يرجع كالعارية والوديعة والاجارة.
باب الضمان
وهو:التزام ما وجب على غيرهِ مع بقائه، وما قد يجب غير جزية.
وقيل: ضم ذمة إلى ذمة في مطالبة أو استحقاق.
يصح الضمان من جائز التصرف بلفظ أنا ضمين أو كفيل، وذلك في عقود التوثيقات، ولرب الحق مطالبة أيهما شاء، ويبرأ ضامن ببراءة مضمون لا عكسه، فلو برأ الدائن الضامن فلا يبرأ المضمون.
ولا يعتبر رضا المضمون، ولا يُعتبر رضا المضمون له؛ لأنه أفادهما دون ضرر عليهما، ولا يعتبر حتى معرفتهما.
ويصح ضمان المجهول إن آل للعلم، فلا يشترط معرفة قدر الدّين.
ويصح ضمان العارية، ويجوز أخذ الضمين بحالة التعدّي فقط لا مطلقا.
وتصح الكفالة ببدن من عليه حق مالي، لا حد ونحوه.
وإذا عجز عن إحضار الكفيل يضمن هو، والمعتبر رضا الكفيل فقط، وإن مات أو سلّم نفسه، أو تلِفت السلعة بفعل الله تعالى برئ الكفيل.
باب الحوالة
وهي: انتقال مال من ذمة المحيل إلى ذمّة المُحال عليه.
وهي أن يكون هناك دينان دين لك، ودين عليك، فيأتيك الذي يُطالبك فتقول له أنا أطالب فلانا بديْنٍ فتحيله عليه فيأخذ منه وتبرأ الذمّتان.
ولا تصح إلّا بشرطين:
الأول: أن يكون الدين مستقرا وهو الدين الغير قابل للإسقاط، الثاني: مماثلة الدينين قدرا -وقيل: لا يشترط المماثلة في القدر- وجنسا ووصفا وحلولا أو أجلا.
ويُعتبر رضا المُحيل لا المُحتال ولا المحال عليه، وإذا كان المحال عليه غير مليء فلا يشترط رضا المحتال.
وتبرأ ذمة المُحيل ولو أفلس المحيل عليه أو جحد ويطالبه المحتال.
ولو كان الدّين المحالُ عليه ثمن مبيع فبان البيع باطلا فلا حوالة،-فلا تبرأ ذمة المحيل- لا إن فسخ، فإن فسخ فالحوالة باقية فلا تسقط.
باب الصلح
وهو لغة: قطع المنازعة، واصطلاحا: مُعاقدةٌ يُتوصّل بها الاصطلاح بيْن متخاصمين.
الصلح نوعان:
الأول: صلح على إقرار، الثاني: صلح على إنكار.
الإقرار: إذا أقرّ له-المُدّعى عليه- بديْنٍ أو عين فأسقط -المُدعي-أو وهب البعض صح وأخذ الباقي، وله شروط:
الشرط الأول: أن يكون بلا شرط، فلا َيشترِط صاحب الحقّ في عقد الصلح أن يؤجّره سيارته أو بيته ونحوه.
الشرط الثاني: أن يكون بلا لفظ الصُلحٍ، فلا يقول له مثلا أقررتَ لي بألف وصالحتك على نصفها، لأنّ المال قد ثبت بالذمّة وانتهى؛ وإنّما يقول له: وهبتك أو أسقط عنك.
الشرط الثالث: أن لا يمنعه حقه بدون الصلح، فلو استطاع أن يستنفذ حقه ومنعه فلا يجوز الصلح، فيكون صاحب الحق جاحدا مقرا لكنه تعنتا منع السداد فلا يُصالح.
الشرط الرابع: أن يكون الإسقاط ممن يحقّ له التبرّع، ولا يملك الوصي التبرع بمال الصغير والمجنون، بل صاحب الحق إن كان بالغًا عاقلا.
وإن وضع بعض حالٍ وأجّل باقيهِ صحّ الوضع لا التأجيل، أي: لا يُلزم صاحب الدّين بالتأجيل.
فالمذهب: أنّ الوعد غير واجب التنفيذ قضاء بل شرعا وديانة.
وإن صالح عن مؤجّل ببعضه حالا فلا يصح، أي: يأتي الدائن صاحب الحقّ إلى المدين ويكون الدين مُؤجّلا لم يحل فيقول له ضع عني رُبع الدّين وأَدفعهُ حالًّا، قالوا هذه عكس الربا فلا يصح،.
وفي رواية: يصح.
وإن أقرّ له ببيت فصالحه على سكناه مدة فلا يجوز، وإن قال له أقرّ لي بديني وأعطيك كذا، صح الإقرار فقط.
الصلح على الإنكار
إن ادّعى شخصٌ على شخص عيْنًا أو دينا فسكت أو أنكر-وهو يجهله- فصالحه صح، فلو كانَ غير منكر أو غير جاهل فلا يصح.
ولو كان هذا المدّعِي كاذبا فهذا المال حرام عليه ولو أعطاهُ المدّعي عليه عن طيبِ نفس.
ولا تُباع الحقوق؛ فلا يجوز أن يكون له خيار فيقول له: أعطني كذا أُسقط الخيار.
وإن حصل غصن شجره في هواء دارهِ أو عِرقها أزالَهُ وجوبا، فإن أبى لواهُ إن أمكن وإلّا قطعه ولا شيء عليه.
وإذا كان هناك ملكٌ مشترك-بيت ونحوه- و خيف ضرره فطلب أحدهما أن يعمر الآخر معه أُجْبر.
باب الحجر
وهو لغة: التضييق، واصطلاحا: منع إنسان من التصرّف في ماله.
وهو: لمن عجزَ أو امتنع عن سداد الدين الذي عليه، ولا يخلو من ثلاثة أحوال:
الاولى: أن يكونَ عاجزا عن سدادِ أيّ شيء من الدّين.
الثانية: أن يكون قادرا ومالكًا للمالِ ويستطيع أن يُسدّد الديْن الذي عليه.
الثالث: أن يكون مالكا لجزء من السداد.
المعسر الذي لا يستطيع أن يُسدّد شيئا من المال يجبُ انتظاره ولا يُطالّب، وإن كان عنده مال وسدادٌ للدّين لكنه امتنع فهذا يطالبه الدّائن، فإن امتنعَ رُفع أمره للقضاء، فإن امتنع حبسه القاضي حتى يُسدّد فإن لم يسدّد باع القاضي أملاكه ويسدّد الدّين.
ومن ثبت أنه لا يستطيع سداد كامل الدين فهذا يحجر على ماله.
ولا يكون الحجر إلّا بطلب الغرماء.
ويترتّب على الحجر:
أوّلا: عدم نفاذ تصرّفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه.
ثانيا: من وجدَ عيْن ما باعه أو أقرضه ونحوه ولو بعد حَجره-بشرط أن يكون جاهلا به- رجع به.
وإن تصرف في ذمته أو أقرّ بدين مؤجل طولب به بعد فك حجره.
ثالثا: يَبيع حاكمٌ ماله ويقسمه بالمحاصّة -يُعطي لكل واحد من الغُرماء حِصته- فيُعطى كل غريم نسبة الدّين.
رابعا: لا يحل مؤجل بحجر، ولا موت إن وثق برهن أو كفيل مليء.
خامسا: إن ظهرَ غريم بعد قسمة رجع على الغرماء بقسطه.
ولا ينفك حجره إلا بوفائه، أو حُكم حاكم، ويُجبر على تكسّب لوفاء بقيّة ديْنه.
المحجور عليه لحظه
من دفع ماله لمحجورٍ عليه لحظّه كصغير ومجنون وسفيه رجع به إن بقي، وإن أتلفوه فلا ضمان، وعليهم أرش ما جنوه والضّمان.
وإن تمّ لصغيرٍ خمس عشرة سنة هجرية، أو أنزل، أو نبت حول قبُله شعر خشن أو حاضت أنثى فقد بلغ.
ولا يُعطى مال الصّبي حتى يؤنس رشده، وصلاح المال بأن لا يُغبن غالبا في تصرّفه ولا يبذلهُ في حرام أو ما لا فائدة فيه، ويختبره الوصي أو الولي قبل بلوغه.
والوليّ حال الحجر أب ثم وصيّه، ولا يتصرّف الولي إلا بالأحظ لهم، فلا يجوز تبرّعه وله دفع مالهِ مضاربة إن غلب على ظنّه أن هذه التجارة مضمونة.
ويأكل الوصيّ من مال موليه الأقل من كفايتهِ أو أجرته مجانا، ومع غناهُ ما يحدّده له الحاكم.
ويُقبل قول الوصيّ ولا يحتاج إلى شهود لأنه مُستأمن.
ويقبلُ قوله بتلف وغبطة-مصلحة- أو ضرورة لبيع عقار وكذا بدفع إليه إن تبرّع.
وما استدان عبد بإذن سيده فعليه، وبدون إذن سيده ففي رقبته كأرش جنايته وقيمة متلف.
ولا يصح تصرفه بلا إذن سيده فإن أذِن صح.
باب الوكالة
وهي لغة: التفويض، واصطلاحا: استنابة جائزِ التصرّف مثله فيما تدخله النّيابة.
تصح الوكالة بكل قول دل على إذن، ويصحّ قبولها بقول أو فعل دال عليه، لأنّ الفعل إذا جاء إثر قول يتضح، ولا يشترط في القبول الفورية؛ لأنّ الوكالة في الأصل حق للعاقديْن متى ما شاء أحدهما الفصل فصل-بخلاف البيع- كشركة ومساقاة.
ومن له التصرف في شيء، فله التوكيل والتوكّل فيه.
وتصح في كل حق آدمي من عقد-كبيع وشراء وإجارة- وفسخ ورجعة وإقرارٍ، ولا يجوز التوكيل بظهارٍ ولِعان ويمين.
وتصح الوكالة في إخراج زكاة ونذر وكفّارة، وإقامة حدٍّ، وفي حج وعمرة مع عجز.
وللوكيل أن يوكّل فيما وكل فيه إذا عجز عنه، أو إذا ما لو وكّل في أعمال بعضها لا يقوم مثله بها، أو يأذن موكّل له.
وتنفسخ الوكالة بموت أحدهما فلا تورث، وجنونه، وعزل الوكيل.
ومن وكّل في بيع أو نحوه فلا يجوز له أن يبيع من نفسه-أن يشتريها هو- ولا من عمودي نسبه أو زوجته، ولا بغير نقد البلد ولا بعرض المقايضة، أو نَساء لم يستلم النقود فورا.
وإن باع بدون ثمن مثله صح وضمن الناقص، أو اشترى بثمن أزيد فعليه أن يدفع النقص كذا لوحدد له الثمن.
أمّا لو اشترى بأقل جازَّ لأن فيه مصلحة للموكل.
وإن اشترى معيبا فإن كان يعلم أنها معيبة أصبحت السلعة له إن لم يرض موكله، فإن كان يجهل أنها معيبة رجع بها.
ووكيل البيع يسلمه ولا يقبض الثمن، فقبض الثمن شيء آخر غير البيع إلّا في حالتين:
الأولى: إذا كان هناك قرينة في الوكالة دلّت على أنه يبيع ويقبض الثمن، كأن يقتضي البيع سفرا.
الثانية: إذا أفضى عدم القبض إلى ربا فهنا يلزمه القبض.
ويُسلّم وكيل مشترٍ الثمن، فإن أخّره بلا عذر فضاع أو تلف ضمنه.
وإن وكّله في كُلّ قليل وكثير، أو شراء ما شاء لم يصح ما لم يعيّن قدرا أو ثمنا.
والوكيل بالخصومة-المحامي- ليس له القبض، فمن مهامّه أن يُخرج الحق لا أن يقبضه، ولو قال رجل لرجل: اقبض حقي من زيد، لا يقبضه من ورثته، وليس من مسؤوليّته أن يُطالبهم لا إن قال: طالب حقي من جهته أو من أهله، هنا يُطالب زيدا أو ورثته.
ويضمن وكيل في قضاء ديْن إن دفعه بلا إشهاد ثم أنكر صاحب المال، فيضمن الوكيل لأنه قصّر في عدم الإشهاد لا في إيداع فيقبل قوله في رد وديعة.
والوكيل يده يد أمانة، فلو تلف المال أو العين بلا تعدِّ منه ولا تفريط فإنه لا يضمنه .
ويقبل قوله فيما وكّل فيه-فيما لو تلفت- فيُصدّق ما لم يكن هناك بيّنة على خلاف ذلك، ويُقبل قوله في أنه لم يفرط بيمينه.
ومن ادّعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرِ لم يلزم دفعه إليه مع تصديق ولا يمينه مع تكذيبه.
وإن دفع إليه-للوكيل- وأنكر زيد الوكالة، يحلف زيد، فإن حلف ضمنه عمرو ولزمه أن يدفع الديْن من جديد، فإن امتنع عن الحلف لم يلزم أن يرد عمرا شيئا.
وإن كان المقبوض عينا-وديعة- فإذا جاء وكيل لعمرو وقال أعطني وديعة زيد التي عندك فلا يلزمه أن يدفع إليه حتى يأتي ببينة، فإن دفع إليه الوديعة، وأنكر زيد ضمنها آخذها-الذي ادّعى الوكالة- فإن تلفت ضمّن زيد أيّهما شاء.
باب الشركة
وهي لغة: الاجتماع، واصطلاحا: اجتماع في استحقاق أو تصرّف.
وهي نوعان: شركة ملك، وشركة عقد أو شركة تصرّف.
شركة المِلك: أن يشترك اثنان فأكثر في ملك عينٍ مُعيّنة.
شركة العقد: أن يشتركَ اثنان فأكثر في تصرَف من التصرفات المالية وهي أنواع:
النوع الأول: شركة العنان، بأن يشتركَ اثنان أو أكثر بنقدٍ وعمل معلوم يُحضرانه، ولو من جنسيْن، أو متفاوتان-غير متساويان في قدر المال- والربح بينهما على ما شرَطاه.
وينفذُ تصرّف كلٍ منهما بحكم المِلك في نصيبه، والوكالة في نصيب شريكه فإن لم يذكرا الربح، أو شرطا لأحدهما جزءًا مجهولا، أو دراهم معلومة أو ربح سلعة أو سفرة أو كان المال غير نقد، لم تصح.
والوضيعة بقدر المال، ولا يشترط خلط المالين.
النوع الثاني: شركة المضاربة، وهي: شركة بيْن اثنين على الربح بمال من أحد الطّرفين وعملٍ من الطرف الآخر.
كقوله: اتجر بهذا والربح بيننا، فيتناصفاه، وإن سُمي لأحدهما فالباقي للآخر.
وإن اختلفا في نسبة الربح فالقول قول العامل كمساقاة ومزارعة.
ولا يُضارب لآخر إن أضرّ بالأول بلا إذنه، ففي نفس فترة المُضاربة لا يحقّ للعامل أن يُضارب لرجل آخر إن كان فيه ضررا على الأوّل، وإن كان بلا إذنه فلا يجوز وإن لم يكن فيه ضرر، فإن فعل-ضارب بمالين معا- رد حصته في الشركة- نصف ربحه من المضاربة الثانية.
ولا يُقسم ربح مع بقاء عقدٍ إلا باتفاقهما، فالمضاربة محددة قبل انتهاء مدة العقد لا يجوز قسم الربح لأنه وقاية لرأس المال.
وإن تلف رأس المال أو بعضه قبل البدء بالمضاربة فتنفسخ المضاربة ولا شيء على العامل ويضمن رب المال، وإن تلف بعد الشروع في العمل حُسب من الربح قبل قسمهِ، كذا إن خسر.
وإن دخل في تجارة أخرى يغطي أرباحها للخسارة الأولى، وانتهت المدة والخسائر أكبر من الأرباح يَرجع المال لصاحبه ولا شيء للعامل لأنه نصيبه من الربح ، ولا لصاحب المال.
النوع الثالث: شركة الوجوه، كأن يشتركا في ربح ما يشتريانه في ذممهما بجاههما، يقترضون من الناس أموالا ويعملان فيها، ويُغطّون المال الذي عليها ويقسمان زائد.
وكل منهما وكيل صاحبه وكفيله في الثمن، فكل واحد منهما متضامن مع الثاني.
والملك والربح كما شرطاه، والخسران بحسب ملكيهما.
النوع الرابع: شركة الأبدان، كأن يشتركا فيما يكتسبانه من مباح كاحتشاش واصطياد أو
يتقبلان من عمل كحدّادين ونجارين.
ويلزمهما فعل ما تقبّله أحدهما، وإن مرض أحدهما أُقيم مقامه بطلب شريكه، فله الحق أن يُلزم شريكه أن يضع مكانه أحدا، وإن رضي فلا بأس والربح بينهما.
النوع الخامس: شركة المفاوضة، كأن يفوّض كل منهما للآخر كل تصرف مالي وبدني، وإن أدخلا كسبا نادرا-كأن يقول أنا وأنت شركاء في أخذ اللؤللؤ من المحار- أو غرامة -إن غرمتُ تتحمل عنّي- فلا يصح.
باب المساقاة
وهي: دفع شجر له ثمر مأكول، ولو غير مغروس إلى آخرَ ليقوم بسقيه وما يَحتاج إليه بجزء معلوم له من الثمرة.
تصحَ على شجر له ثمر يُؤكل بجزء منه، وعلى شجر يغرسه ويعمل فيه بجزء منه أو من ثمره.
فإن فسخ مالكٌ قبل ظهور الثمرة فلعامل أجرُ مثله لا إن فسخ هو، فإن كان الفسخ من قِبَل العامل فلا يستحق شيئا.
وعلى عامل ما فيه صلاح -للثمر- من حرث وسقي وزبار وتلقيح وتشميس وإصلاح موضعه وطرق الماء.
وعلى رب المال ما يُصلحه كسد حائط وإجراء نهر ودولاب، وعليهما جذاذ بقدر حقّيْهما لا إن شُرط على عامل.
والمساقاة الشجر مزروع، ويكون على العامل السقي والحرث ونحو ذلك، أما المزارعة يُعطى للعامل أرضا خالية وهو يبدأ بزراعتها.
وتصح المزارعة بجزء مشاعٍ معلوم من الزّرع، ولا يجوز أن يُعطيه جزء معيّنا في الأرض.
والبذر لا بد أن يكون من رب الأرض.
باب الإجارة
وهي: عقد على منفعةٍ مباحة معلومة من عَيْنٍ معينة أو موصوفة في الذمة مدّة معلومة أو عملٍ معلوم بعوض معلوم.
شروطها:
الشرط الأول: معرفة المنفعة، ويكون إما بالعُرف أو بالوصف.
الشرط الثاني: معرفة الأجرة، وتصحّ في أجير وضئر بطعامهما.
الشرط الثالث: كون نفع مباحا متقوما،-فلا يجوز أن يؤجر وردة للشم- مقدورا عليه، ولا إجارة في مشاع لغير شريكه.
الشرط الرابع: أن لا تُستهلك العين أي: يستوفى منها النفع دون نقص أجزائها.
ولا تؤجّر امرأة بلا إذن زوجها لأن فيه تفويت لحق الزوج في فترة الإجارة، ويدخل في ذلك كلّ الوظائف.
وشرط في إجارة عينٍ معرفةٌ برؤية أو وصف غير نحو أرض فلا يكفي فيها الوصف، واشتمالها على منفعة فلا يصح في أرض سبخة لا يمكن زِرَاعتها، وقدرة على تسليمها بخلاف آبق ونحوه.
ولمستأجر أن يؤجر لمن يقوم مقامه بشرطين: الأول: أن يكون مثله، الثاني: عدم الضرر.
وإن استأجر مُدّة اشترط عِلمُها، وأن يغلب على الظن بقاء العيْن فيها وإن طالت.
ولا تصح الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وإنّما يأخذ جعالةً أو رزقا من بيت المال؛ كأذان وقضاء وإمامة.
وعلى مؤجّر ما يتمكن به مستأجر من النّفع.
والإجارة عقد لازم لا تبطل بموتِ أحدهما ولا فسخه إذا لم يرضَ الطرف الآخر.
وتنفسخُ بتلف العين المُؤجرة، وموت مرتضِع أو مُرتضَعِ، وإذا مات بعد مدة -قبل انتهاء العقد- فتعطى قدر المدة التي اتنفَع بها الطفل كذلك البيت أو السيارة ونحوه.
وإن تعيّبت العين المؤجّرة أو كانت معيبة فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى، ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ، ويضمن مشترك ما تلِف بفعله لا حِرزه.
والأجير الخاص هو: من استأجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميع هذه المدة.
والأجير المشترك: الذي يقدر نفعه بالعمل لا في المدة وهو لكل الناس كالخياط.
ويضمن لو أتلف ولو لم يفرّط، ولا يضمن لو سرق منه ولا أجرة له في الحالتيْن لأن الأجرة تستحق بالعمل.
ولا يضمن حجام وبيطار وطبيب، وذلك بشروط: إن كان حاذقا لم تجنِ يدُه وأذن له فيه.
الأجرة لها ثلاث مراحل: وجوب، استحقاق، استقرار.
تجب الأجرة-لم تؤجل- بعقد، وتُستحق بتسليم عمل في الذمة، وتستقر بفراغ مدّة الإجارة.
وإن تسلم المال-صاحب العين أو العامل- في عقد إجارة فاسد فأجرة مثل-كأن يتبين له أن الأجير مجنون-.
ونفقة تسليم العين المؤجرة على مالك كمؤنة رد-استرجاع العين بعد انتهاء مدة الإجارة- ولا يجوز في الإجارة جمع المدة والعمل كقوله: ابنِ لي حائطا في يوم.
باب الجعالة
وهي: أن يجعل جائز التصرّف مالا معلُوما لِمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا مدّة معلومة أو مجهولة.
والمراد بقوله: أن يكون العمل معلوما أو مجهولا أي: مقدار الجهد المبذول فيه.
ويجوز في الجعالة الجمع بيْن: العمل والمدة، وهي أوسع من الإجارة.
وهي عقد جائز، فمن فعَل العمل بعد العقدِ استحقّ الجُعل لا قبله، وتقتَسمه الجماعة.
وإن فسخ عامل لم يستحق شيئا، وإن فسخ الجَاعل استحقّ العامل أجرة المثل، وقبل الشروع في العمل لا يستحق شيئا.
وإن اختلفا في: جُعل أو قدرهِ فقولُ جاعل، ومن خلّص متاع غيره أو أنقذه من هلكة فـ أجرة مثلٍ.
باب السبق
السّبَق: الجُعل الذي يوضع لمن يسْبق، يُقال له: حاز السبَق.
السبْق: بلوغ الغاية قبل الغير، أي: الغلبة.
المسابقة نوعان:
الأول: نوع بعوض، الثاني: نوع بغير عوض.
بغير عوض: أن يتسابق اثنان فأكثر دون أن يكون هناك جائزة للفائز منهم، وهي مباحة في كل المسابقات الحلال.
المسابقة بعوض: أن يكون هناك جائزة لمن يفوز، هذه الجائزة لها أنواع، منها: أن تُدفع من غير المتسابقين، وهذا لا بأس به.
ومنها: أن تُدفع من أحدهم، فإن كان العوض من كل المتسابقين فلا تصح.
شروطها:
الشرط الأول: أن تكونَ في إبل وخيل وسهام أباحها النبي-صلى الله عليه وسلم- لأنها
مُعينة على الجهاد في سبيل الله.
الشرط الثاني: تَعيين المركوبين، أو تعيين القوسين.
الشرط الثالث: اتّحادهما نوعا لا جِنسا فقط، لتحقيق المساواة قدر المُستطاع، يقابله اتحاد القوسين.
الشرط الرابع: تحديد المسافة بالنسبة للرماة، أو المسابقة بالنسبة للحيوان.
الشرط الخامس: خروج عن شبه قمار، أي : أن لا يدفع كل المتسابقين قيمة العوض، ويخرج عن ذلك بأن يكون هناك محَلل، أو لا يدفع أحدهم شيئا من المال.
ولكلٍ فسخها أي: هذه المسابقة من العقود الجائزة، ولا يجوز إذا سبقَ أحدهم؛ إلّا إذا كان الفسخ للسابق فله الفسخ.
باب العارية
وهي: العيّن المأخوذة للانتفاع بها بلا عوض.
تصحّ إعارة كل ذي نفع مباح، ولا تجوز إعارة عبد مسلم لكافر، ولا صيد لمحرِم، ولا يجوز أن تُعار امرأة -للخدمة مثلا- شابة لغير ذي محرم أو امرأة.
والإعارة عقد جائز إلا إذا ترتّب طلبها ضررا على المستعير، ولا أجرة، وتُضمن العارية ولو لم يفرّط، فاليد فيها يد ضمان ولو اشْترط نفي الضمان، غير كتب وقف ونحوها-الوقف الذي على غير معيّن- كمن وقف كتبا على طلبة العلم، فمن أتى وكان مُنطبقا عليه الوصف فاستعار فتلفت لا يضمن، لأنّ قابضها قبَضها باستحقاقه.
والمستعير: هو المُطالَب بمؤنة الرد، فلو كان للرد كُلفة ماليّة تكون على المستعير،، ولا يحقّ له أن يُعير غيره، أو يُؤجّر ما استعار، فإن أعارها أو أجّرها فتلفت عند ثانٍ ضمّن المعير-صاحب العين- أيهما شاء.
ولا يضمن منقطع أُركِب للثواب، لأنّ هذا المستعير أخذها مضطرا ولا ضيفٌ.
وإن قال: أعرتك فقال بل أجرتني-والعين تالفة- فقول مالِك، ما لم يكن بينهما عقد أو شهود، لأنّ الأصل في قبض مال الغير أن يكون على سبيل الضمان لا الأمانة، فإن كان استعملها مدة يأخذ-صاحب العين- أُجرة ما مضى.
وإن قال له: -آخذ العين-أعَرتني أو أجّرتني أو أودعتني، وقال له صاحب العين: أنت أخذتها مني غصبا، أو اختلفا في رد فقول مالك بيمينه.
باب الغصب
وهو: استيلاء غير حربي عُرفا على حق غيره قهرا بغير حق.
ومن غصب شيئا فتلف فلا شكّ أنه يضمنه، لا كلبا يُقتنى، ولا خمر ذميٍ، فهي تردّ ولا تضمن، كذا جلد الميتة.
ولا يضمن حُرا وإن حبسه مدّة وأشغله عن عمل أو أكرهَهُ على عمل فأجرة مثل.
ويجب رد مغصوب بزيادة، سواء كان النماء متصلا أو منفصلا وعلى الغاصب ضمن النقص.
وإن بنا أو غرس في أرض مغصوبة لزمه قلعه، وأرش نقصها، وعليه تسويتها وأجرتها.
وإذا بذر فيها بذورا فلِصاحبها-الأرض- تملّكه قبل حصد، ويدفع قيمة البذور وعوَض لواحقه.
وإن غصب جارحا أو عبدا أو فرسا فاستعمل هذه الأمور في صيد أو غنيمة فلصاحبه بلا أجرة.
وإذا خلط الغاصب ما غصبه بماله بحيث لا يتميّز كزيت أو شعير أو حنطة، فخلط زيت المغصوب مع زيته، فشريكان وكذا لو صبغ ثوبا.
ويضمن نقص القيمة، وإن زادت قيمة أحد المالين فلصاحبه، ولا جبر على قلع صبغ.
وإن استُحقّت أرض-تبيّن أنها للغير- فقلع غَرس مشتر وبناءه رجع بما غرمه على بائعه,
وتصرّف غاصب فيه باطل، ولو نقصت قيمة الأرض-من البناء أو الزرع- بعد أن استردّها فللمالِك أن يُضمّن الغاصب أو المشتري منه أيهما شاء، وإن ضمّن المشتري رجع هو على الغاصب.
ويضمن مثلي بمثله، ومتقوّم بقيمته، ويقبل قول الغاصب في قيمة التلف وفي قدره وصفته لا عيب وردٍّ.
وإن جهِل الغاصِب رب المال تصدّق به عنه مضمونا.
ومن فتح قفصا أو وكاء أو بابا أو رباطا أو قيدا فذهب ما فيه، أو أتلف شيئا-أي المفكوك- ضمنَه، كربط دابة في طريق ضيقٍ، واقتناء كلب عقور دخل مكانا بإذن مُقتنيه أو عقر خارج بيته فيُضمن.
ويضمن رب بهيمة ما أتلفت ليلا لا نهارا، لأنّ العادة أنها تجري في النهار وتُحفظ في الليل.
ولا يضمن قتل صائل-إن لم يكن دفعه إلّا بالقتل- ولا كسر مزمار أو صليب، ولا آنية ذهب أو فضة أو آنية خمر غير محترمة.
باب الشفعة
وهي: استحقاق انتزاع شقص شريكه ممّن انتقل إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليهِ العقد.
يحرُم التحيّل لإسقاطها، كأن يدّعي شريكه أنه وهَب نصيبهُ لطرفٍ آخر ولم يبعه، حتى لا يُمكّنا الشريك من استحقاق انتزاعها.
شروطها:
الشرط الأول: أن تكون الأرض قابلة للقسم، خرج بذلك الأرض الصغيرة الغير قابلة للقسم.
الشرط الثاني: أن تنتقل مِلكيّة نصيب الشريك بالبيع لا بغيره، فلو كان وهبَ نصيبه فليسَ للشريك الآخر حق الشفعة، وأن تكون بالثمن الذي استقر عليه العقد.
ولا شفعة لجارٍ فهي للملك المُشاع، ولا في بناء مُفرد فهي تختصّ في الأراضي لا في الأبنية، ولا إن كان صداقا ونحوه.
ويدخل غراس وبناء تبع لأرض فيأخذه-من الشريك الجديد- لا زرع وثمر.
الشرط الثالث: أن تكون الشفعة على الفور وقت علمه، فإن أخّر بلا عذر سقطت أو كذّبَ عدلا بطلت.
الشرط الرابع: أن يأخذ جميع نصيب شريكه بجميع المال المدفوع .
ولو كانوا أكثر من شريكين فهي بقدرِ نصيبهم.
ومن باع شيئا تصلحُ فيه الشُّفعة مع شيء لا يصلح فيه الشفعة كمن باعَ شقصا وسيفا فلِشفيع أخذ شقص بحصّته من ثمن كما لو تلف بعضه، ولا شُفعة لشركة وقف ولا لكافر على مسلم.
الشرط الخامس: أن يسبق نصيب صاحب الشّفعة نصيب الشريك الجديد وإن تصرّف-المشتري الجديد- في نصيبه قبل طلب الشفعة من الشريك بهبةٍ أو وقف أو رهن سقطت الشفعة، وإن باعه فله أخذه من أي البيْعتين شاء.
وإن بنا أو غرس-الشريك الجديد- فِلشفيع تملّكه بقيمته أو قلعه وضمان نقصه.
وإن عجز عن بعض الثمن سقطت شفعته، وإن اختلفا في قدر ثمن فقول مشتر.
وعُهدة شفيع على مشتر أي: لو حصل في الأرض شيء فيرجع على المُشتري والمشتري يرجع على البائع.
باب الوديعة
وهي: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عِوض.
تُستحب لمن قويَ على الحفظ، وأمّا الذي لا يعلم من نفسه الأمانة فلا تُستحبّ له.
ويدُ المودع إليه يد أمانة، فإذا تلفت الوديعة لا يضمن إلّا إذا تعدى أو فرّط، وعليه حِفظها في حرز مثلها، وحرز كل شيء بحسبهِ.
وإن عيّن صاحب المال نوع الحرز الذي يُحفظ فيه المال فأحرزه بغيره بلا
ضرورة ضمن؛ لأنهُ لم يلتزم بالحرز الذي حدّده رب المال، لا إن حفظَ في
حرز أكثر أمانا من الذي عيّنه.
وإن لم يعلف دابة وماتت ضمن، إلّا إن كان ذلك بطلب صاحبها فلا يضمن.
وله دفعها لمن يحفظ ماله أو مال ربها، لا حاكم و أجنبي، فليس له الحق أن يدفعها للحاكم ولا أجنبي لا يَعرِف أمانته ولا صدقه.
ولو دفعها للحاكم أو للأجنبي يضمنها، فإن جهل الحاكم أو الأجنبي-لم يُعرف من الذي أخذها- فيرجع قرار الضمان على المودع.
وإن حدث خوف عام ردها على ربّها، وله السفر-الذي أُودِع إليْه المال- بالمال مع حضوره نصا-يستأذنه- ما لم ينههُ، فإن نهاه ضمن، وإن خاف عليها أوْدعها ثقة.
وإن أودعهُ دابة فركبها واستعملها فإنه يضمن، إلّا إذا ركبها لنفعها، وإن فك المال أو خلطه بغير متميز ضمن.
ويُقبل قول المودَع بردّها له أو لغيره، أو تلَفِها وعدم تفريط، لأنّ يده يد أمانة، وهذا كله إذا لم يوجد بيّنة.
ولو أنكر أصل الوديعة ثمّ ثبتت الوديعة وأنّهُ أودِع إما بشاهد ونحوه، لم تُقبل دعواه بردٍ أو تلفٍ ولو ببينة، ولو قال ما لك عندي شيء ثم ثبتت الوديعة فادعى ردها فهذا يقبل قوله.
ولو مات الوديع فأتى صاحب المال للورثة، فطالب وديعته فادّعوا الردّ لا يقبل قولهم.
باب إحياء الموات
وهي: الأرض المُنفكة عن الاختصاصات ومِلك معصوم.
فهذه الأرض يجوز إحياؤها، فمن أحيا أرضا لا مالك لها ولم تتعلق بمصلحة العابر، ملَكها ولو كان كافرا ولو بلا إذن الإمام، وعلى ذمي خَراج ما أحيا من موات عنوة.
كيف تُحيا الموات؟
من أحاط الأرض بسور منيع بقصد زِراعتها فهي له، أو حفر فيها بئرا وصل إلى ماءه، أو أجرَاهُ إليه بنحو عيْن، أو حبسه عنها لتُزرع.
ولإمام إقطاع مَوات لمن يُحييه، وإقطاع جلوس في طُرق واسعة بلا ضرر فيكون أحق بها، ولكنّه لا يملكها فليس له الحق في بيعها ولا إجارتها أو هِبتها، ولإمام أن يقتطع أرضا ليضع فيها إبل الصدقة وغيرها من مصالح المسلمين بلا ضرر.
باب اللقطة
وهي: مال أو مختص ضائعٌ أو ما في معناه لغير حربي.
اللقطة التي يجدها الإنسان لا تخرج عن ثلاثة أحوال:
الأولى: المُحقّرات، الأشياء التي لا قيمة لها كرغيف وقلم ونحوه، فهي تُملك مباشرة.
الثانية: اللقطة من الحيوانات التي تمتنع من صغار السباع كالبعير، فهذه لا يجوز التقطاها.
الثالثة: ما عدا ذلك من حيوان أو غيره يجوز التقاطه بشرطين:
الشرط الأول: لمن أمِن نفسه أن لا تضعف فيمتلك المال، الشرط الثاني: أن يقوَى على تعريفه فإن لم يتوفّر فيه الشرطان فكغاصب.
ويملكُه حُكما بتعريفه حولا عادة ثم تدخل في ملكه قهرًا، ولا يتصرّف فيه قبل معرفة صفاته.
ومتى ما جاء طالبها فوصفها لزم دفعه إليه، وإن تلفت في الحول بلا تفريط لم يضمن.
والسفيه والصغير يعرِّف له لقطته وليّهُ.
باب اللقيط
وهو: طفل لا يُعرف نسبه ولا رقّه، نُبذ أو ضلّ في الطريق.
إذا نبذ أو ضاع طفل لا يُعرَف نسبه ولا رقّه فأخذه فرض كفاية.
وهو: حر مسلم، وما وجد معه أو تحته أو مدفونا طريا أو متصلا به كحيوان ونحوه فهو له، ويُنفق عليه واجده منه ولا يشترط لذلك إذنُ الحاكم، وإن لم يُوجد معه مال أو معهُ مالُ لا يكفي فمن بيت مال، فإن تعذر فعلَى من علِم به، وحضانته لواجده ووليّه إن قُتل الإمام.
ومن أقرّ أنه ولده لُحق به، وإن كان كافرا لا يلحقه في دينه إلا ببيّنه.
وإن ادّعاه أكثر من واحد قُدّم من له بينة، وإن تعارضت بيناتهم دون ترجيح فمن ألحقته به القافة.
باب الوقف
تعريف الوقف: حبس الأصل وتسبيل المنفعة.
يصحّ بفعل دال عليه كجعل أرضه مسجدا ويأذَن للناس بالصلاة فيه.
ويصح بالقول وهو نوعان:
الأول: صريح، مثل: وقفت وحبست وسبلت، الثاني: كناية، مثل: حرّمت وتصدّقت وأبدت، وهذه لا بد أن يقترن بها نية، أو لفظ آخر من الألفاظ الصريحة.
من شروط الوقف: أن يكون العين يُنتفع بها مع بقاء عينها.
ومن شروطه: أن يكون على برٍ، ويصح على ذمي معيّن وتصح له الوصية.
ولا يصحّ الوقف على من لا يملك، كملكٍ وبهيمة، ويصحّ في نفع الحيوانات وعلاجهم، ولا يصح الوقف على جنين في بطن أمه ولكن يصح تبعا، كقوله: وقفت على
أولادي. ويكون فيهم حملٌ فيدخل فيهم تبعا لا استقلالا.
ولا يشترط قبول الوقف من الجهة التي أوقفَ عليها، ولا إخراجه عن يده.
ومن شروطه: أن يكون مُنجزا فلا يصح أن يكون مؤقتا أو معلقا على شرط.
ولا يصح أن يقفَ على نفسه، ويصرف في الحال لمن بعده كمن يقول: أوقفت على نفسي ثم أولادي، فينصرف لأولاده مباشرة.
ومن أوقف وقفًا واشترط فيه شروطا فإنّ شروطه معتبرة، ويجب العمل بها، فإن أوقف لأكثر من جهة كـ مستشفى - مدرسة - مسجد - وأطلق ولم يحدّد قسما ولا ترتيبا سُوّي بيْن الموقوف عليه.
وإن لم يحدد الواقف ناظرا للوقف، فلكل جهة حق بالنظارة يتّفقون فيما بينهم على تحديد الناظر، فإن لم يتفقوا تتدخل الجهة المسؤولة عن الأوقاف وتحدد ناظرا.
وإن أوقف على أولاده فيدخلُ ذكورهم وإناثهم، وفي الطبقة الثانية فلا يدخل إلّا أولاد الذكور-ذكورا وإناثا- كل من يرجع بنسبهِ إلى الواقف ، ويدخل أولاد البنات بنص أو قرينة.
وإن قال: أوقفت على بني فلان-قبيلة- شمل ذلك الذكور والإناث، بخلاف لو قال: هذا الوقف على بني أخي، فيدخل الذكور دون الإناث.
وإن وقفَ على من يُمكن حصرهم كأن يقول: الفقراء من القرية الفلانية. وجب تعميمهم، والتسوية بينهم وإن قال: هذا الوقف على الفقراء. غير محصورين جاز الاقتصار والتّفضيل.
والوقف عقد لازم لا يُفسخ ولا يُباع إلّا أن تتعطّل منافعه المقصودة بخراب ونحوه فيُباع ويصرف ثمنه في مثله.
باب الهبة
تعريف الهبة: تمليك جائز التصرف مالا معلوما أو مجهولا تعذر علمه موجودا مقدورا على تسليمه.
لا تصح في مجهول إلّا فيما تعذّر علمه، وتنعقد بإيجاب وقبول ومعاطاة.
ولا تلزم الهبة قبل القبض، فيجوز الرجوع، وتلزم بقبض بإذن واهب.
ومن أنواع الهبات: الإبراء من الديون، وما صحّ بيْعه صحت هبتهُ.
ويجب العديل في عطية بين ورثه بقدر إرثهم، فإن فضّل سوّى برجوع أو زيادة، فإن ماتَ قبله ثبتت لآخذ.
ولا رجوع لواهب-لغير أب-، والزوجة إن وهبتهُ بسؤاله ثم ضرّها بطلاق ونحوه فيجوز الرجوع في الهبة التي وهبته.
ولأب تملّك من مال ولده بشرط أن لا تتعلق حاجة الولد بالمالوأن لا يأخذ المال من ابنه ثم يعطيه ابنا آخر.
ولا يصح تصرف الأب بمال ولده بعتق أو بيع أو إبراء غريم.
ويملكه بقبضٍ مع قول أو نيّة، وليس لولدٍ مطالبة أب بديْنٍ أو نحوه، بل بعين ماله أو نفقة واجبة.
وتصرّف المريض إن كان مرضا عاديا لا يُخاف منه الموت صحيح ولو مات منه.
وإن كان مَخوفا فلا يصح تصرفه، فهذا المريض تُعامل هبته معاملة الوصية فلا تصح لوارث، ولا تصح أكثر من الثلث، ويُعتبر ثلثه عند موته لا عند الهبة، أي: النسبة بخلاف ما لو حدّد مبلغا.
ويبدأ بعطاياه بالأول فالأول ولا رجوع فيها بعد لزومها، ويُعتبر قبول العطية وقتَ أخذها لا قبله، ويثبت فيها المُلك بخلاف الوصية في الكل.
كتاب الوصايا
وهي: الأمر بالتصرف بعد الموت.
وهي نوعان:
النوع الأول: وصية واجبة، النوع الثاني: وصية مستحبة.
الوصية الواجبة: تجِب لمن عليه حقوقٌ للناس، فيجب أن يوصي ورَثته بردّ الحقوق إلى أصحابها لا سيما إذا لم يكن هناك بيّنة.
الوصية المستحبة: لمن لا حقّ عليه للناس، فيستحبّ له أن يوصي بخمس ماله في أوجه الخير.
ولا تجوز الوصية لوارث، ولا لأجنبي إن كانت زائدة عن الثلث، وفي الحالتين تصح
مع إجازة الورثة.
وتكرهُ وصية فقير وارثه محتاج، وتجوز بالكل لمن لا وارث له.
وإن أوصى لأكثر من شخص وكان مجموعها أكثر من الثلث تحاصُّوا فيدخل النقص على الجميع، ويُخصم على الجميع بالتساوي.
وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث فتُنفذ وصيته، وإن كان غير وارث فصار عند الموت وارثا لم تنفذ.
وفي حياة الموصِي لا عبرة بقبول الموصى له ولا بردّه، فالعبرة بعد موت الموصي، ولا يملك أن يردها بعد القبول.
وللموصي أن يرجع بوصيته، ويبدأ بواجب من ماله من دين ونذر وكفارة وحج -وإن لم يوصي به- ثم ينظر في الوصايا.
شروط الموصى له
تصح لمن يصح تمليكه، خرج بذلك الجمادات والملائكة ونحو ذلك من الذين لا يملكون.
ولو أوصى لعبده بمشاع يصح، ويعتق منه بقدرهِ؛ بشرط أن لا يتجاوز ثُلث المال وإن فضل شيء أخذه، وتصح له الوصية بنفسه أو بمشاع لا مبلغ مقطوع ولا عين معيّنة لأن العبد لا يملك.
وتصح الوصية بحمل-كأن يوصي لشخص بحمل دابته- وله أن يوصي لمن في بطن امرأةٍ إن تحقّق وجود الحمل.
وإن أوصي لحي وميت صحت للحي فقط، وإن وصى بماله لابنيه وأجنبي فإن قبلا الوصية-الابنان- دخل الأجنبي معهم وأخذَ كل واحد منهم الثلث صح، وإن ردّا يُعطى الأجنبي التسع.
وإن وصى بألف في حج نفل صُرف من ثُلثه في حجةٍ بعد أخرى حتى تنفذ الألف، وإن وصى بألف دينار ليُحَجّ عنه حجة واحدة صرفت كلها في حجة واحدة.
وتصح الوصية بما يُعجز عن تسليمه كآبق وطير بهواء ومعدوم، والوصية بما يحرم بيعه مع جواز الانتفاع به: ككلب الصيد والزيت المتنجس وله ثلثهما لأنهما ليسا من الأموال الشرعية.
وتصح الوصية بمجهول، كعبد وشاة ويُعطى ما يقع عليه اسمه اللغوي.
وإذا وصى بثلثه فحصل له مالٌ ولو-دية- دخل فيه.
وإن وصى بمعيّن فتلف بطلت الوصية، فلا يُعطى عِوضا عنها.
وإن أوصى لأحد بنصيب وارث معيّن أو بمثله فله مثل نصيبه مضموما إلى المسألة فيُعامل معاملة الوارث تماما.
وإن وصى بمثل نصيب أحد ورثته ولم يعينه، فيعطى مثل مال أقلّهم، لأن الأقل هو اليقين.
وإن قال: أوصيت لفلان بحظ أو نصيب أو جزء من مالي فما شاء وارث.
الموصى إليه
وهو: الذي يفوّضه الموصي برعاية أبناءه أو تفريق أملاكه.
تصح الوصية إلى مُسلم مكلف عدل رشيد ولو عبدا بإذن سيدهّ.
وإن وصى لزيدٍ بعد أن وصى لِغيره-ولم يعزل الأوّل- اشتركا.
ولا تصح إلّا بتصرف معلوم يملكه موص، كقضاء دين، وتفرقة ثلث، ونظر على محجور أولاده.
ومن وصّي على شيء لم يصر وصيًّا في غيره.
ومن مات حيث لا حاكم ولا وصي حاز بعض من حضره-من المسلمين- ترِكته وعمِلَ فيها الأصلح من بيع وغيره.
تم بحمد الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق