البيْع في اللغة: مأخوذ من الباع، لمدِّ كل واحدٍ من المُتبايعيْن يدهُ للآخر أخذا وإعطاءً.
واصطلاحا: مُبادلة عيْنٍ ماليّة، أو منفعة مُباحة؛ بأحدهما، أو بمال في الذمّة-غير معيّن-للملك على التأبيد غير ربا وقرض.
وللبيع صيغتان:
الأولى: صيغة قوليّة، الثانية: صيغة فعليّة.
الصيغة القولية: الإيجاب والقبول، والصيغة الفعليّة: المعاطاة.
القولية: ينعقدُ-لا هزلا- بالقول الدالِّ على البيع والشراء، ولا صيغة معيّنة للبيع، ويُشترط لهذه الصيغة عدّة شروط:
الشرط الأول: أن يكون القَبول على وفق الإيجاب، في القدْر والنقدِ وصِفته والحلول والأجل.
الشرط الثاني: أن لا يتشاغل العاقدان بيْن الإيجاب والقبول بشيء يقطعُ البيْع عُرفا.
الشرط الثالث: أن يوجد الاتصال بين الإيجاب والقبول في مجلس العقد ولو تراخيا.
العقد بالكتابة: لو راسله إمّا كتابةً أو مع رسُول، فيها خلاف في المذهب صرّح في الإقناع: أنه ينعقد العقد والبيع صحيح.
وينعقد البيع بالمعاطاة أي: المناولة.
شروط البيع:
الشرط الأول: الرضا بيْن المتعاقدين، فلا يصح بيْـعُ المُكرَه بغير حق.
الشرط الثاني: الرشد، أن يكون العاقد جائز التصرف وهو: الحرّ الرشيد المكلّف، فلا يصح بيعُ المميز والسفيه ما لم يأذن وليّهما، فإذا أذِنَ فيصحّ في القليلِ والكثير.
ولو باشر الصبيّ العَقد مأذونا له لغير مصلحة يصح ويضمن الوليّ، وإذا كان المبيع يسيرًا يصح ولو بغير إذن.
الشرط الثالث: أن يكون المبيعُ مالاً وهو: كل عينٍ مباحة النفع من غير حاجة أو ضرورة، فلا تدخل: الميتة ولا الكلب والخمر في المال.
الشرط الرابع: أن يكون المبيعُ مِلكًا للبائع أو مأذونا له فيه وقت العقد، فلا يصح بيع الفضولي، ولو أجيز بعدُ، لأنه حين باشر العقد ليس مالكًا ولا مأذونا له، ويصحّ بشرطين:
أحدهما: أن يشتري لغيره بذمّته، والثاني: أن لا يُسمّي المُشترَى له.
ولا يُملكُ على المذهب ما فُتح عنوة كأرض الشام والعراق ومصر، وبقاع
المناسك ، ورباع مكة كلها أوقاف.
الشرط الخامس: القدرة على تسليمه حالَ العقد، فلا يصح بيْع الآبقِ والشارد ولو لقادر على تحصيلهم.
الشرط السادس: معرفة الثمن والمُثمن للمتعاقديْن حال العقد وله طريقتان:
الأولى: الوصف، الثانية: المشاهدة حال العقد أو قبله بيسير بزمن لا يمكن أن تتغيرَ به.
الشرط السابع: أن يكون حالّا لا منجزا معلقا بزمن كـ بعتكَ إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيَ زيد، ولا يضر بعتك إن شاء الله، ولا العربون فحقيقته تعليق الفسخ.
تفريق الصفقة
تفريق الصفقة: أن يجمعَ بيْن ما يصحّ بيعهُ، وما لا يصح بيعه صفقة واحدة بثمن واحد.
من باعَ معلومًا ومجهولا لم يتعذّر علمهُ صحّ في المعلوم بقسطه من الثمن، وإن تعذّر معرفة المجهول، ولم يُبيّن ثمن المعلوم فباطل.
موانع صحّة البيع
يحرمُ ولا يصحّ بيع وشراء في المسجد، ولا يصحّ البيْع والشراء بعدَ النداء الثاني من الجمعة ممن تلزمهُ الجمعة، والتحريم يبدأُ من شروع المؤذّن بالأذان، وتصح بقيّة العقُود مع التحريم.
ويحرمُ لو تضايق وقت المكتوبة لأنَّ الوقت تعيّن لها.
ولا يصحّ بيع العصير لمن يتخذهُ خمرًا، وقال في الإقناع: لا يصحّ بيْع ما قُصد به الحرام، ولا بيعُ السّلاح زمن الفتنة، أو للحربيّين أو قُطّاع الطريق.
ولا يصح بيعُ قن مسلم لكافر لا يعتق عليْه، لما فيه من الإهانة والإذلال، ولا بيع على بيع المسلم بزمن الخيار أو الشرط والشراء على شرائه.
ويحرمُ بيع المصحف، ويصحُ العقد، وفي الاقناع قال: لا يصح.
ويحرم بيعُ الأمَة التي يطؤها قبل أن يستبرئها ويصح العقد، ولا يصحّ ويحرمُ التصرّف في المقبوض بعقد فاسدٍ ويضمن زيادتهُ كمغصوب.
باب الشروط في البيع
المُراد بالشّرط هُو: إلزام أحدِ المُتعاقدين الآخر بسببِ العقد ما له فيهِ غرض صحيح.
والمُعتبر منها ما كانت في صُلب العقد، وزمن خيار الشرط والمجلس، ولا تصحّ الشروط قبل العقد إلا في عقد النكاح، فهيَ تلزم وإن كانت قبله.
تنقسم الشرُوط إلى: صحيح لازم، ومفسد مُبطل للبيع.
الصحيح في المذهب هو: ما يقتضيه العقد ويطلبه-كما لو اشترط أحدُ العاقديْن قبضَ الثّمن في المجلس- ووجوده كعدمه، ومن الصحيح: مصلحة تعود على المُشترط، وهُو قسمان:
القسم الأول: أن يشترطَ صفة في الثمن، كتأجيله أو بعضهِ أو أن يأتيه بضامن.
القسم الثاني: أن يشترطَ صفة في المبيع، ويُشترط في الصفة أن لا تكون محرّمة، كأن يقول: أشترط أن يكون العبدُ غنيًا، وأن يُمكن الوفاء به كأن يكون العبد كاتبًا أو صانعًا أو مسلمًا، فإذا وجد المشروط لزم البيْع، وإلا فللمشتري الفسخ أو يأخذ أرش فقد الصِفة.
النوع الثاني من الشروط الصحيحة: أن يشترط البائع نفعًا معلوما في المبيع، أو يشترطَ المُشتري نفع بائعٍ في المبيع ،كـ سُكنى الدار شهرا، و حمل الدابة إلى محل معين، وأن يشترط المُشتري على البائع حمل ما باعه، أو تكسيره أو خياطته أو تفصيلة، ولا يجوز له الجمع بين شرطين.
الشروط الفاسدة
منها: اشتراط عقدِ في عقد، كشرط بيعٍ أو إجارة أو قرض أو شرِكة، وتُبطِل هذه الشروط العقد.
ومنها: أن يشترطَ في العقد ما يُنافي مقتضاهُ كأن يقول: بعتك هذه الشاة بشرطِ أن لا تذبحها، أو لا تبيعها، فهذا شرطٌ فاسد لكن لا يُبطل العقد.
وقيل: إذا كان هناك غرضٌ صحيح للمشترط فإنه يلزم الشرط.
ومن باع شيئا ينقصهُ التفريق فبان كثيرا أو قليلا صحّ البيع ولكلٍ من البائع والمشتري الفسخ.
باب الخيار
وهُو: طلب خيْر الأمرين من فسخٍ أو إمضاء، أقسامه سبعة:
القسم الأول: خيار المجلِس، ويَثبتُ للمُتعاقدين، وابتداؤهُ من حينِ العقد إلى حينِ أن يتفرّقا بالأبدان عُرفا-من غير إكراه-.
ويثبتُ ما لم يتبايعا أن لا خيارَ لهُما، أو يُسقِطاه من بعد العقد، وإن أسقطه أحدهما؛ فيثبتُ للآخر ما لم يسقطُه، وينقطعُ خيار المجلس إن ماتَ أحدهما لا إن جُنّ.
وتحرمُ الفُرقة من المجلس خشيةَ الاستقالة، ويلزمُ البيع لو فعل ذلك مع التّحريم.
القسم الثاني: خيار الشرط، وهُو في الحقيقة تطويل مُدّة خيار المجلس، وهو أن يشترطا أو أحدهما الخيار في صُلب العقد أو بعده في المجلس.
ويشترطُ أن يكون إلى مدّة معيّنة وإن طالت، ويحرمُ تصرفهما في الثمن المعيّن، ويحرمُ على المشتري أن يتصرّف في المبيع في مدّة الخيار.
والملكُ لمن انتقلت إليه السلعة، ولِمَن انتقلَ إليه الثمن فما حصل من النماء المنفصل فلمُنْتَقَل له.
ويسقطُ الخيار بالقول والفعل-كتصرّف المشتري للمبيع في حال كون الخيار له فقط- ويصح تصرّفه.
القسم الثالث: خيار الغبن، وهو في اللغة: النقص، واصطلاحا: أن يُخدع العاقد في ثمن السلعة إمّا بزيادة أو نقْصٍ يخرج عن العادة، فيثبتُ الخيار ولا أرش مع الإمساك.
القسم الرابع: خيار التدليس، وهُو: أن يدلّس البائع على الُمشتري ما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر، وهو مُحرّم، ويثبتُ للمشتري الخيار-إن لم يكُن يعلمُ بالتدليس حالَ العقد- بيْن الإمساك بلا أرش أو الرّد.
القسم الخامس: خيار العيْب، والعيْب لغةً: هو الرداءة في السلعة، وهُو لا يخلو من حالين:
الأولى: نقص عيْن المبيع ولوْ لم تنقص بهَا القِيمة، الثانية: نقص قيمته عادة عند التجّار وإن لم تنقص عيْنه.
فإذا وجد المُشتري بعد ما اشترى السّلعة عيبًا يجهلهُ؛ خُيّر بين ردّ المبيع بنمائهِ المتّصل والمنفصل-وعلى المشتري أجرة الردّ ويرجعِ بالثمن كاملا- أو يمسك السلعة ويأخذ الأرش.
ويتعيّن الأرش مع تلف المبيع-عند المشتري-، ولا يفسخ؛ ما لم يكُن البائع عالمًا بالعيبِ عند البيع وكتَمه على المشتري، فيحرمُ ويرجعُ المُشتري على البائع بجميع ما دفعه.
وخيارُ العيْب على التراخِي ولا يسقطُ إلّا إن وجِد من المُشتري ما يدلّ على رضاهُ؛ كتصرّفه بالمبيع عالمًا بعيْبه، واستعماله لغيرِ تجربة فيسقط الخيار.
ولا يَفتقرُ الفسخ لحضورِ بائع ولا حُكم حاكمٍ، وإذا اختارَ الفسخ المشتري أو البائع، فيكونُ يدُ المشتري على المبيع يد أمانة لا يضمنهُ إلا إذا تعدّى أو فرّط، وإذا اختلفا عند من حصل العيب ولا بيّنة فالقول قول المشتري مع يمينه.
القسم السادس: خيار الخُلف في الصّفة، إذا اشترَى شيئًا بالصّفة ووجدهُ متغيرًا أو شيئا تقدّمت رؤيته قبل العقد-بزمنٍ يسيرٍ لا يتغير بهِ المبيع- فلهُ الفسخ ويحلفُ إن اختلفا.
القسم السابع: خيار الخلف في قدر الثمن، إذا اختلفا في قدرِ الثمن حلف البائع أولا بنفيٍ ثم إثبات، ثم يحلف المشتري مقدِّما النفيَ على الإثبات، ويتفاسخان إن لم يرضَ أحدهما بقول الآخر.
ما يترتّب على حصول ووجود العقد ثلاثة أمور:
أولا: أنّ المُشتري يملك المبيع مطلقًا والبائع الثمن، ثانيا: يصحّ تصرفهُ فيه قبل قبضه، وفي رواية: لا يجوزُ التصرف في المبيع قبل قبضه، ثالثا: إن تلفَ هذا المبيع قبل قبضه فمن ضمان المُشتري.
ويُستثنى من ذلك: المبيع بكيل أو وزن أو عدٍ أو ذرع؛ فإنّه لو تلف قبل قبضه فمن ضمان بائعه، ولا يصحّ تصرّف المشتري فيه ببيع أو رهنٍ حتى يقبضه.
وإن تلفَ بآفة سماوية انفسخ العقد، وذهبَ على البائع، وبفعل بائعٍ أو أجنبي خُيّر المشتري بيْن أن يفسخَ عقد البيع ويرجع بالثمن على البائع، أو الإمضاء ويُطالب من أتلفهُ ببَدله، والثّمن كالمُثمن في جميعِ ما تقدّم.
ويحصلُ قبض المكيل بالكيْل، والمعدود بالعدّ، و الموزُون بالوزن، والمَذرُوع بالذّرع، ويشترطُ لحصُول القَبض حضور المستحقّ أو نائبهِ.
ويحصلُ قبض ما يُنقل بنقلهِ، وما يُتناول بتناوله وغير ذلك يكون القبض فيها بالتخلية كالأرَاضي والبيوت.
ويسنُّ لمن طُلبَ منهُ الإقالة أن يفسخَ من شخص نادمٍ على هذا البيع، ويُشترط فيها أربعة شروط:
الأوّل: عدم تلف السلعة-المُثمن-، وتصحّ مع تلف الثمن، الثاني: حضور البائع والمشتري، فلا تصحّ مع غيبةِ أحدهما، الثالث: أن تكونَ بنفس الثّمن بلا زيادة ولا نقص، الرابع: أن تكون بنفس جنس الثمن.
باب أحكام الرّبا
وهو: الزيادة، وينقسمُ إلى قسميْن: ربا فضل وربا نسيئة.
ربا الفضل: الزّيادة في أحد الرِبويّين عندَ مبادلتهِ بجنسهِ، (كصاع من البر بصاع ونصفٍ من البر)
ربا النسيئة: التأخير فِي قبض أحد الربوّييْن بمبادلتهِ بغير جنسهِ مع اتّفاقه معه في علّة ربا الفضل-كبرٍ بتمر- مكيل بمكيل.
ضوابط:
العلّة في الذّهب والفضة: الوزن، وفيما عدَاهما الكيْل.
يجري الرّبا في كلّ مكيلٍ وموزونٍ ولوْ لم يُؤكل، ولا يجرِي الربوي في المعدُود كالبيْض والرّمان والبطيخ والقثّاء، ومَا أخرجتهُ الصناعة عن الوزن فليس بربوي، كالثياب والسلاح والفلوس والأواني-غير ذهب وفضة- فلا تؤثر فيهما الصّناعة.
ويصحّ بيع الموزون أو المكيل بجنسه بشرطين:
الأول: المُماثلة في القدر بالمعيار الشرعي، الثاني: القبض قبل التفرق.
ويصحّ بيعُ الجنس الرّبوي بجنسٍ آخر مماثلا له بالعلّة مُتساويًا له أو متفاضلا بشرط واحد وهو: التّقابض قبل التفرق.
ويجوزُ بيع الجنس الربوي بجنس آخر مخالفًا له بالعلّة متساويًا أو متفاضلا بدون شروط.
ويشترطُ لِجواز بيْع الربوي بجنسهِ المُماثل التّساوي فِي القدر بالمعيار الشّرعي-المعيار الشرعي بالموزُونات الوزن، وبالمِكيلات الكيْل-
وبيع اللحم باللحم يصحّ إذا نُزع عَظمه وبحيوانٍ من غير جنسه.
ويجوزُ بيع دقيقٍ ربوي بدقيقهِ إذا استويَا في النعومة، ورطبهِ برطبه، ويابسهِ بيابسه، وعصيره بعصيره، ومطبُوخه بمطبوخه، إذا استويا نشافة أو رطوبة.
ولا يصحّ بيع فرعٍ بأصلهِ لعدم إمكان التّساوي كالزّبد باللبن، وكزيتٍ بزيتون، وخبز بعجين.
ولا تصحّ المحاقلة لعدم وجود المعيار الشرعي في البيع بين الجنسين أي: بيع الحبّ المُشتد بجنسه، ويصحّ بغير جنسه.
ولا يصحّ بيعُ الربوي بجنسهِ ومعهُ أو معهما من غير جنسهمَا كمد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم لعدم وجود التساوي.
باب الصّرف
الصّرف: بيْع النّقد بالنقد من جنسه أو غيره.
يصحّ صرف الذّهب بالذّهب، والفِضّة بالفضّة متماثلاً وزنا لا عدًا لجهالة المماثلة، ويشترط القبض قبل التفرق.
باب بيع الأصول والثمار
الأصول جمع أصل، والمُراد بها هنا: الأراضي والبساتين ونحوها.
من باعَ أو وهب دارًا أو رهنَ أو أقرّ أو وصّى بهَا تناول ذلك: أرضها وبناءها وفناءها-ما اتسع أمام الدّار-، ومتصلًا بها لمصلحتها كالسلالم والرفوف المسمّرة، والأبواب المثبتة، والخوابي المدفونة، وما فيها من شجر مغروس وعُرش، ولا يدخلُ كنز وحجر مدفونين، ولا يدخل في البيْع منفصلٌ عنها، كالحبل والدلو والفُرش ومفتاح.
وإن كان المُباع أرضًا دخلَ ما فيها من غراس وبناء، لا ما فيها من زرع لا يُحصد إلا مرّة كبر وشعيرٍ وبصل ونحوه، ويُبقى للبائع إلى أوّل وقت أخذه بلا أجرة ما لم يَشترطه المشتري لنفسه.
وإذا باع أرضًا وفيها زرع فإن كانَ مما يُحصد مرّة فللبائع، وإن كان يُلقط وتَتكرّر ثمرته فالثمرة الأولى للبائع ثم للمشتري.
وإن كان يُجزّ فالموجود الظّاهر للبائع، والزّرع المُستتر للبائع ما لم يشترطه المُشتري.
والبقل كل نبات إخضرّ به الأرض أو تتكرر ثمرته.
فالأصُول لهذه للمشتري، والجزّة الظاهرة والّلقطة الأولى للبائع وعليه قطعها في الحال وما عداها فللمشتري.
وإذا بِيع شجرُ النخل بعد تشقّق طلعه فالثمر للبائع متروكا إلى أول وقت أخذِه، وإذا بيع شجرُ ما ظهر ثمرهُ وإن لم تستوي فهيَ للبائع، وكذا ما ظهر من نوره-الزهر- كالمشمش والتّفاح والسفرجل، واللوز أو خرج من أكمامهِ فللبائع، وما بيع قبل ذلك للمشتري.
ولا تدخل الأرض تبعًا لمشتري الشّجر، وإذا ماتت الشجرة فلا يملك غرس مكانها.
ولا يصحّ ويحرم بيع الثمر قبل أن يبدو فيه الصلاح؛ لغير مالك الأصل فلو كان المشتري مالك الأصل فإنه يصح.
كذلك بيْع الزرع لا يجوزُ قبل اشتداد حبّه أي: يصلبُ ويقوى-لغير مالك الأرض- فإن كان لمالك الأرض فيجوز بيعه له.
وصلاحُ بعض ثمر شجرةٍ صلاح لجميع نوْعها الذي في البُستان لا الجنس.
وصلاح البلح أن يحمرّ أو يصفرّ، والعنبَ أن يتموّه بالماء الحلو، وصلاح بقية الفواكه كالرمان والمشمش؛ طيبُ أكلها وظهور نضجها.
وما يظهر دفعة بعد دفعة-تتكرر ثمرته- صلاحه بأن يؤكل عادة.
وما تلِف من الثمرة-بجائحة سماوية- قبل أن يأخذها المشتري فمن ضمان البائع، باستثناء ما لم يبعها مع أصلها، فيضمنُها المشتري، ويضمن المشتري إذا أخّر أخذً هذه الثمار عن وقته أخذها عادة.
باب السلم
وهو: عقدٌ على موصوف في الذمّة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد.
الذمة هي: وصفٌ يصير بها المكلف أهلًا للإلزام والالتزام.
شروطه سبعة:
الشرط الأول: انضباطُ صفات المُسلَم فيه-كالمكيل والموزون والمذروع والمعدود-، فلا يصحّ فيما لا تنضبطُ صفاتُه.
الشرط الثاني: ذكر جنس المسْلَم فيه، ونوعهُ في الصفات التي يختلف فيها الثمن غالبا، ويجوزُ أن يأخذَ فيما دون ما وصِف له ومن غير نوعه في جنسه لكن لا يُلزم.
الشرط الثالث: معرفة قدر المُسلم فيه بمعيارهِ الشّرعي، إن كان موزونًا فلا بُدّ أن يكونَ بالوزن، وإن كان مكيلًا فلا بُد أن يكون بالكيل، فلا يصحّ بمكيلٍ وزنا، ولا في موزون كيلا.
الشرط الرابع: أن يكون في الذمّة-شيء غيرَ مُعيّن- إلى أجل معلوم، وللأجل تأثير لوجوده أو انعدامه كَشهر ونصف شهر.
الشرط الخامس: أن يكون المُسلَم موجودًا غالبا عند حلول الأجل.
الشرط السادس: معرفة قدرِ رأس مال السلَم وانضباطه، فلا تكفي مشاهدتهُ، ولا يصحّ بما لا ينضبط.
الشرط السابع: أن يقبض رأس مال السلَم، أي: البائع، قبل التفرق من مجلس العقد، ولا يُشترط ذِكر مكان الوفاء لأنه يجب بمكان العقد، إلّا إن كان العقد في بريّة أو طائرة مثلاً فيجب أن يذكر مكان الوفاء.
ولا يصحّ أخذ رهنٍ أو كفيلٍ في مسْلَمٍ فيه، وإن تعذّر حصولُ مسلَم فيه يُخيّر رب السلَم بين صبرٍ أو يفسخ في الحال ويرجع برأس ماله إن كانَ موجودا عند المُسْلمِ إليه أو بدله.
باب القرض
وهو في اللغة: القطع، وفي الشرع: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفعُ به ويردّ بدلهُ.
حُكمه: إن كان للمقُترض فحكمه مباح، وإن كان في حق المقْرِض فهو مُستحب.
وصرّح في الغاية: أنّ الصدقة أفضل من القرض.
شروط القرض:
الشرط الأول: أن يكون المقرَض عيْنًا، فلا يصحّ قرضُ المنافِع، خلافا لشيخ الإسلام فيصحّ عندهُ قرض المنافع.
الشرط الثاني: أن تكونَ العيْنُ يصحُّ بيعها إلّا بني آدم، فيصحُّ بيعهُ ولا يصحّ قرضهُ.
الشرط الثالث: يُشترط علم قدر المال المُقرض، الشرط الرابع: يُشترط العلم بالوصفِ حتى يرُدّ بدلهُ،.
الشرط الخامس: كون المقرِض ممّن يصحّ تبرّعهُ، الشرط السادس: كون القرض في ذمّةٍ مُعيّنة.
ويتمّ عقد القرض بالقبول، ويصحّ بالمُعاطاة، ويلزمُ بالقبض، فلا يكونُ لازمًا في حق المقرِض إلّا بالقبض، فلا يملك المقرِض استرجاعه ولا يلزم المفترض أن يردّ عيْنه، ويثبتُ له البدل حالا ولو مع تأجيلهِ.
وإن كان مُتقوّما ردّ قيمتهُ وقت القرض، وإن كانت العيْن المُقرضة مما لا يصحّ السّلم فيه بسببِ عدم الانضباط بالصّفة فيردّ قيمتهُ وقت القرض-يوم القرض- كالجواهر، لاختلاف قيمته في الزمن اليسير.
وإن كانَ مثليًا فيردّ مثله، فإن تعذّر فقيمتهُ يوم تعذّرهِ، ويجوزُ للمقرِض أن يشترطَ على المقترض رهنًا، أو أن يأتي بضامن له.
وكلّ قرض جرّ نفعا فحرام، هذه قاعدة بالاتفاق، كأن يشترطَ عليه أن يسكنه دارهُ مجانًا أو بأجرة رخيصة ونحو ذلك، وإن فعل ذلك بلا شرط أو قضاهُ المقترض خيرا منه بلا اتفاق جاز ذلك.
ومتى ما بذل المُقترض ما عليْه بغيرِ بلد القرض لزم ربه قبوله بشرطين:
الأول: أن لا يكون لهذا القرض مؤنة لحمله، الثاني: أمن البلد والطّريق، فإن اختلّ شرط منهما لم يلزم المقترض قبوله.
باب الرّهن
وهُو لغة: الدّوام والثّبوت، وشرعا: توثقةُ دين بعينٍ يُمكن أخذه أو بعضه منها-إن كانت من جنس الدين)-أو من ثمنها.
ينعقدُ بالإيجاب والقبول، ويصحّ بالمُعاطاة، ويصحّ بخمسة شروط:
الشرط الأول: كونه منجزّا، الشرط الثاني: أن يكونَ الرّهن مع الحق أو بعدهُ، الشرط الثالث: كوْن الراهن ممن يصح بيعه وتبرّعه، الشرط الرابع: كون الرهن ملكًا للراهن أوْ مأذونًا له به.
الشرط الخامس: كون الرهن معلومًا جنسهُ وقدرهُ وصفتهُ، الشرط السادس: أن يكونَ الرهن بديْن واجب، وهُو الديْن الذي يثبُت في الذمّة بمجرد وجود سببهِ ولا يسقطُ إلا بالإبراء أو الأداء.
وكلّ ما صح بيعهُ صح قرضهُ إلا المصحف، وما لا يصحّ بيعه لا يصح رهنه؛ إلا الثمرة قبل بدوّ الصلاح فيصحُّ رهنها والزّرع قبل اشتداد حبه بدون شرط القطع، ولو احتيجَ لبيعهَا فلا يجوزُ حتى يبدو صلاحها أو تُباع بشرط القطع في الحال.
ولا يصحّ رهن مال اليتيم لفاسق لأنه قد يجحده وهذا مقيّد فلو جعل الرهن تحت يد عدل فيصح.
وللرّاهن الرجوعُ في الرهن قبل قبضهِ، ولهُ أن يتصرّف فيهِ بما يشاء فإن قبضهُ لزم ولم يصح تصرّفه فيه إلا العتق فيصح ويحرم وقيمتهُ تكون رهنا مكانه.
وكسبُ الرهن ونماءُه متّصلا أو منفصلا تكون رهنًا معه أمانة بيدِ مرتهن، ولا يضمنه إلا بالتفريط أو التعدي؛ فيُقبل قوله بأنه لم يتعدّ ولو لم يُفرط بيمينهِ، وإن تلِف بعضه وبقى بعضه فما بقي رهن لجميع الحق.
ولا ينفكّ من الرهن شيء حتى يقضيَ الدّين كله، لأن الحق تعلّقَ بجميعهِ، ولو كان مما تُمكن قِسمتهُ.
وإذا حل أجلُ الديْن وكان الراهن اشترط للمُرتهن إن لم يأت له بالحق وإلا فالرهنُ له، فهو شرط باطل؛ لمنافاته مٌقتضى العقد، بل يلزمه الوفاء أو يأذن للمرتهن ببيع الرهن أو يَبيعهُ هو-الراهن- ليوفيهِ حقّه، فإن أبى حُبس أو عُزّر حتى يفعل ما أمرهُ به، فإن أصرّ على الامتناع أو غابَ مسافة قصر باعه الحاكم وأدّى ديْنهُ فإن كان قيمة الرهن مثل الدينِ فيأخذه المُرتهن، وإن كانت قيمة الرهن أكثر فيأخذُ المرتهن حقه ويعطي البقيّة للرّاهن.
وللمُرتهن ركوب الرّهن، فيما لو كان مركوبًا، وحلبهُ بقدر نفقتهِ بغير إذن الراهن، ولهُ الانتفاع بالمرهون مجّانا أو بعوض قليل بإذن راهن، لكن يصيرُ الرهن بعد ذلك مرهونا عليه كالعارية فيضمن مطلقا، ولو انتفع بالرهن بعوض فتكون يده يد أمانة.
ومؤونة الرّهن على مالكه، وإن أنفَق المرتهن على الرهن بلا إذن الراهن مع إمكانه فمُتبرع فلا يرجع عليه، وإن لم يُمكن وأنفق بنيّة الرجوع رجعَ عليه.
ومن قبض العين لحظ ّنفسه، أو حظّ نفسه ومالكها كالعيْن المؤجرة فادعّى الرد للمالك فلا يُقبل قولهُ إلا ببيّنة، وكذا مودَع ووكيل ووصيٌ ودلّال بجُعلٍ فلا يقبل قولهم إن ادّعو الردّ إلّا ببينة، وبلا جُعل فيقبل قوْلهم بأيمانِهم.
باب الضمان
وهُو: التزامُ إنسان يصحّ تبرّعهُ أو التزامُ مفلس-برضاهما- ما وجَب أو يجبُ على غيرهما مع بقائه على المضمُون عنه.
يصحُّ تنجِيزا وتعليقا وتوقيتا، وفي التوقيت نظر فهو جائز في الكفالة وفي الضمان، وقيل: لا يصح توقيتهُ.
شروط صحةِ الضّمان
الشرط الأول: أن يكُون الضّامن ممن يصحُّ تبرعهُ، الشرط الثاني: رضى الضامن.
الشرط الثالث: كون الدّيْن المضمون واجبًا أو يؤُول إليه، الشرط الرابع: أن تكُون العيْن مضمُونة على صاحب اليد، الشرط الخامس: عدم شرط الخيار في الضّمان وإلا فسد.
ولربّ الحق مُطالبة الضامن والمضمون معًا، أو أيهُما شاء؛ وليسَ له مطالبة المعْسر منهما.
ويصحُّ ضمان عهدة الثمن والمُثمن، ويكون إمّا للبائع وإمّا ضمان عهدةٍ للمشتري، وهو: أن يأتي البائع بضمان عهدة للمشتري.
ولا يصحّ الضمان بدينِ الكتابة، وبما لم يقدّر بعضه.
باب الكفالة
وهِي: أن يلتزم بإحضار بدنِ من عليه حق مالي إلى ربّه.
ويُعتبر رضى الكفيل لا المكفول، ويشترطُ أن يكون الكفيل جائز التصرّف.
ويبرأ الكفيل إذا سلّم المكفول لربّ الحق في محل العقد، أو سلّم المكفول نفسه، أو مات المكفول فإنه يبرأ الكفيل ولو مات الكفيل فلا يبرأ المكفُول.
وإن برئ الكفيل فإنّه يبرأُ المكفول، ويبرأ بتلفِ العيْن التي تكفّل ببدنِ من هي عنده.
وإن تعذّر على الكفيل إحضار المكفول ضمِن ما عليه وهذا إن لم يشترط الكفيل البراءة من المال إن تعذّر عليْه إحضارهُ فإن اشترط فلا يلزمه المال.
ومن كفلَ اثنان فسلّم أحدهما لم يبرأ الآخر.
باب الحوالة
وهِي: انتقالُ مال من ذمّة إلى ذمّة.
يُشترطُ لصحتها:
الشرط الأول: اتّفاق الدينيْن في الجنس وفي الصفة وفي والحلول والأجل.
الشرط الثاني: علم قدر كلٍ من الديْنين، فلا يصحُّ أن يُحال دين مجهول على دينٍ معلوم.
الشرط الثالث: استقرارُ دين المُحال عليه، وهو الدّيْن الذي يثبتُ في الذمّة بمُجرد وجود سببه ولا يسقطُ إلا بالإبراء أو الأداء.
الشرط الرابع: كون المُحال عليْه يصح السلمُ فيه، فلا يصح بما لا تنضبط صفتهُ.
الشرط الخامس: رضى المُحيل، ولا يُشترط رضى المُحتال، إن كان المُحال عليه مليئا، وهُو القادر بمالهِ وقولهِ وبدنهِ، ولا يصحّ أن يحيلَ الإنسان شخصا على والده، لأنّه لا يستطيع أن يُحضر والده لمجلس الحُكم ولا على من هو في غير بلده، ولا على صاحب سلطة.
ومتى ما توفّرت الشّروط برأ المُحيل من الدّيْن بمجرّد الحوالة ولو أفلس المحال عليه بعد ذلك أو مات.
باب الصلح
وهُو: معاقدة يُتوصّل بها إلى موافقة بيْن مختلفين.
ينقسمُ إلى: صلح إقرار وصُلح إنكار.
يصحُّ الصُّلح ممن يصحّ تبرّعه مع الإقرارِ أو الإنكار.
صلح الإقرار هو: أن يدّعي عليه بشيء فيُقرّ المدّعى عليه فيُصالحه بشيء.
صُلح الإنكار: أن يدّعي عليْه بشيء فيُنكر المدّعى عليْه ثم يُصالح.
صلح الإقرار ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: أن يكونَ الصّلح على جنس المدّعى عليه، النوع الثاني: أن يكون على غير جنس المُدعى عليه، وكذلك الصلح على إنكار.
إذا أقرّ للمُدعي بديْن أو عينٍ ثم صالحه على بعضه أو على بعض عيْن المدعى فهو هبة يصح بلفظها لا بلفظ الصُّلح، هذا الشرط الأول للصُّلح على إقرار.
الشرط الثاني: أنّ المصالِح ممن يصح تبرّعه، الشرط الثالث: أن لا يشترط المُقرّ له أن يُعطي المقرّ الباقي إذا أقر المدّعى عليه بالدّين أو العين .
الشرط الرابع: أن لا يمنع المدّعَى عليه المقرُّ حق المدعِي بدونِ أن يُعطيه منه لِما فيه من أكل مال بالباطل.
الصُّلح على غيرِ جنس المُدّعى عليه: إن صالحهُ على عيْن غير مدعاة فهو بيعٌ يصح بلفظ الصلح، وتثبتُُ في هذا النوع أحكام البيع.
وإن صالحَ عن عيْب مبيعٍ فيجوزُ وله أن يأخذ عوضًا عن عيب المبيع ولو زالَ العيب أو لم يكن رجع الدّافع بما دفعه.
ويصحُّ الصُّلح على ما تعّذر علمه من دينٍ، وإن كان الديْن لا يتعذّر علمه قال في الإقناع: يصح الصُّلح، وقال في المنتهى: إذا لم يتعذّر العلمُ بالدّيْن فلا يصحُّ الصلح.
والصلحُ عنِ العيْن-إن لم يذكرها- يصحّ إن صالحها عنه بشيء آخر، قال في الإقناع: لكن لا يصح أن يُبرئه.
ويُشترط لصحّة الصّلح أن يعتقدَ المدّعي حقيقة ما ادّعاه والمُدّعى عليه عكسه.
إنكارُ الدّين
إذا أنكرَ دعوة المُدّعي أو سكت وهو يجهلهُ، ثم صالحهُ على حالٍّ أو مؤجل صح الصلح وكان إبراء بحق المُدّعى عليه.
وإن صالحَ أجنبي عن مُنكر صح سواء أذن المنكر بالصلح أو لا، لكن لا يرجع المُصالح على المُنكر إلّا إن أذن له في هذا الصلح.
والضابطُ فيما يصحّ فيه الصُّلح وما لا يصح: كل ما يجوزُ أخذُ العوض عنه يصحُّ فيه الصلح، وما لا يجوزُ أخذ العوض عنه فلا يصح فيه الصلح.
أحكام الجوار
يحرمُ على الشخص أن يُجري ماءً في أرض غيرهِ أو سطحه بلا إذنه ولو لم يتضرّر الجار، ويصحُّ الصلح عن ذلك بعوض.
وحرُم على الجار أن يُحدِث بملكه ما يضرُّ بجارِه كحمام وكنيف وتنّور، وإن أحدثهُ فيلزمه إزالته.
وحرُم أن يتصرّف في طريق نافذ بما يضر المار كإخراج دكان ودكة-وهي المبنية للجلوس عليها- وجناح-وهو الروشن شيء يؤخذ من الجدار يُظل ما تحتهُ-، وساباط -وهُو الطريق بين حائطيْن-، وميزاب لخروج الماء فوق الدار، ويضمن ما تلف به.
كتاب الحجر
وهو في الّلغة: التضييق والمنع، وفي الشّرع: منع المالك من التصرّف في مالهِ سواء كان هذا المنع من الشرع أو من الحاكم.
وهو قسمان:
القسم الأول: الحجر لحظّ الغيْر كالحَجر على مُفلس وراهن، وهُنا يكون الحجر على ما في يد الشخص من أموالٍ لا ما في ذمّته.
والمفلس: من دينُه أكثر من ماله.
حجر المفلس هو: منع حاكم مَن عليه ديْنٌ حالٌّ يعجز عنه، مِن تصرف في ماله الموجود مُدة الحجر، والمتجدد بعده؛ بإرث أو هِبة أو غيرهما.
ويحجر على المشتري بعد طلب شفيع، فإذا طلبَ الشفيع الشفعة يحجر على المشتري ويُمنع من التصرّف.
القسم الثاني: الحجر لحظ نفسه، ويُحجر عليه في المال الذي بيدهِ والذي في ذمته ويكون على: الصغير والسفيه والمجنون.
والسَّفه:ضعف العقل وسوءُ التصرّف، سمّي سفيها لخفّة عقله.
ومن عليه ديْن مؤجّل فإنّه لا يُطالب بهذا الدّيْن ولا يحجر عليه بدين لم يحل لكن لو أرادَ سفرا طويلا-من عليه دين- فلغرِيمه منعهُ حتى يوثّق هذا الدين برهن يحرز-يوفّى منه جميع الدين-أو كفيل مليء.
ولا يحلّ دَيْن مؤجّل بجنون ولا موت إن وثّقه ورثته بما تقدّم.
ويجبُ على مدين قادرٍ وفاءُ دين حالٍّ فورا بطلب ربّهِ، وإن كان مؤجّلا وحلّ، أو يؤدّي الدّين ولو لم يُطالبه ربه، وإن ماطله-القادر على الوفاء- حتى شكاهُ إلى الحَاكم وجبَ على الحاكم أن يأمرهُ بالوفاء، فإن أبى حبسهُ ولا يُخرجه حتى يتبيّن أمره، إما أن يكون معسرًا، أو يُبرئه الدّائن من الدين فإن أبَى عزره حاكم ويكررّ حبسه تعزيرًا.
والمعسر-الذي لا يقدر على وفاء أيّ شيء من دينه- وجبت تخليتهُ وحرمت مطالبتهُ، ويحرم على الحاكم أن يحجُر عليه ما دام معسرا.
والمفلس -الّذي له مال لا يفي بدينه بل ببعضه- إن سأل غُرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم، ويسن وإظهار حجره حتى لا يتعامل معه الناس، ولا يحجر عليه إلّا الحاكم.
فائدة الحجر
الفائدة الأولى: تعلّق حق الغرماء بمال المفلس، ويترتّب على ذلك أنه لا يصحّ تصرّفه في عين ماله ولا إقراره بشيء ولا عتقه.
وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار فلا يقبل إقراره ويصح، ويطالب بما تصرّف به، وبما أقرّه بعد فك الحجر عنه.
الفائدة الثانية: ومن وجد عند المُحجر عليه عين ما باعه أو أقرضه دنانير، فهو أحق بها بشروط:
الأول: كونه لا يعلم بالحجر، الثاني: أن يكون المُفلس حيا إلى حين أخذ المبيع.
الثالث: أن يكون عوض العين كله باقيا في ذمته، الرابع: أن تكون العين كلها في ملك المفلس.
الخامس: أن تكون بحالها ولم تتغيّر صفتها بما يُـزيل اسمها كدقيق جعله خبزا، السادس: أن لم يتعلّق بها حقٌ للغير كالرهن.
فمتى ما وجدَ شيء من ذلك امتنعَ الرّجوع ويدخل مع الغرماء.
ويجبُ على الحاكم قسم ماله الذي من جنس المال، وأمّا ما ليس من جنس المال فعلى الحاكم بيعُ ما ليس من جنسه، ويقسمهُ على الغرماء بقدرِ ديونهم.
ولا يلزم الغرماء بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر ربّ دين حالٍّ رجع على كل غريم بقسطهِ.
ويجبُ على الحاكم أن يتركَ له ما يحتاجه المفلس من مسكن وخادم وما يتجر به أو آله حرث.
ويجبُ له ولعياله أدنى نفقة مثلهم من مسكن ومأكل ومشرب وكسوة.
وينقطعُ الطلب عنه بعد ذلك فمن أقرضه أو باعه-المفلس- عالِما بحجره لم يملك طلبه حتى ينفك حجره.
الحجر على السفيه والمجنون والصغير
من دفع ماله إلى صغير أو مجنون أو سفيهٍ فأتلفهُ لم يضمنه، ومن أخذ من أحدهم مالا ضمنهُ حتى يأخذه وليّه، لا إن أخذه ليحفظهُ فإن تلف بلا تفريط ولا تعدّي لم يضمنه.
ومن بلغ رشيدًا أو مجنونا أو سفيها، ثم عقل ورشد انفك عنه الحجر، ودُفع إليه ماله، ويستحبّ أن يكون بإذن القاضي، لا قبل ذلك بحال.
وبلوغ الذكر إما بالإمناء، أو بتمام خمس عشرة سنة، أو نبات شعر خَشن حول قُبله، وبلوغ الأنثى كذلك وتزيد بالحيض.
والرشد: الصلاح في المال ولو كان فاسقًا بنفسه، ويكون ذلك صونهُ عن ما لا فائدة فيه.
ويكون الصلاح في المال بأن لا يبذله في الحرام، ويجبُ أن يُختبر بما يليق به.
وولاية المملوك لمالكهِ ولو كان فاسقا، والصغير والبالغ بسفهٍ أو جنونٍ فإن الولاية تكون لأبيه ، إن كان الأب بالغا رشيدا عاقلا حرا عدلا ولو ظاهرا ، فإن لم يكن فوصيّه العدل فإن لم يكن فالحاكم فإن عدم فأمين يقومُ مقامه.
والجدّ والأم وسائر العصبات لا ولايةَ لهم إلا إذا عدم الحاكم وبالوصية.
ويحرمُ على وليّ الصغير والسفيه والمجنون أن يتصرّف في مالِهم إلا لما فيه حظّ أو مصلحة لهم.
وتصرف الصغير والسفيه ببيع أو شراء أو هبة أو عتق أو وقف أو إقرار غير صحيح؛ إلّا إذا كان بإذن الولي، والمجنون لو أذن له الولي لا يصح تصرّفه لأنه ليس له عقل.
والسفيه البالغ إن أقرّ بما يوجب الحد يصح، أو نسب أو طلاق أو قتْل صح وأخِذ به في الحال، كذا إن أقرّ بمال أخذ بهِ بعد فك الحجر عنه.
وللولي مع الحاجة أن يأكلَ من مال مولّيه الأقل من أجرة مثله وكفايته ولا يلزمهُ عوضه إذا أيْسر، ومع عدم الحاجة يأكل ما فرضَ له الحاكم.
باستثناء الحاكم ونائبه لاستغنَائهما بمالهما من بيت المال، حتى لو كانوا يلُون الصغير والسفيه والمجنون.
باب الوكالة
وهي لغة: التفويض، وفي الشرع: استنابةُ جائزِ التصرف مثله فيما تدخلهُ النّيابة في الحياة.
النيابة في القول: كالعقد والفسخ والطلاق والرجعة، وكتابة العبد وتدبيره.
وفي الفعل: كتفرقةِ صدقة ونذر وكفّارة وفعل حج أو عمرة.
شروطها:
الشرط الأول: الإيجابُ، لا بد أن يكون بالقول من المُوّكِل-يا فلان وكلتك-، والقبول يجوز أن يكون بالقول أو الفعل، كما جاء في الإقناع والمُنتهى.
وقيل: يجوز أن يكون الإيجاب بالفعل، ذكره في الفروع عن القاضي.
الشرط الثاني: تعيين الوكيل، فلا يصحّ قوله: وكّلت أحدَ هؤلاء.
الشرط الثالث: أن يوكّل الموكّل فيما يصحّ تصرّفه فيه، وأن يتوكل الوكيل فيما يصح تصرّفه فيه لنفسه.
الشرط الرابع: أن يكونَ فيما تصحّ فيه النيابة، فلا يصحّ التوكيل في الصلاة والصوم والطهارة من الحدث؛ لأنها عبادات مُتعلّقة بذات الإنسان، والحلف والأيْمان واللعان مُتعلقة بحال الناطق بها.
الشرط الخامس: أن لا تكونَ الخصومة لظالم يعلمُ الموكّل ظُـلمه أو يظنّ ظلمه، الشرط السادس: أن يكونَ الموكّل والوكيل جائزي التصرف.
وتصح الوكالة منجّزة ومُعلّقة ومُؤقتة، وتنعقدُ بكلّ ما دل عليها من قول وفعل، ويصحّ أن يوكّل في بيع ماله كلّه أو فيما شاء-الوكيل- منهُ، وبالمطالبة بحقوقه كلّها.
ولا يصح قوله وكّلتك في كل قليل وكثير، لأنها يعظم فيها الضرر والغرر وتسمى: المفوضة.
والوكيل لا يجوز أن يوكّل فيما وكّل بهِ إلا فيما يعجز عنهُ، ولو لم يأذن له الموكِل، ولا يملك الوكيل ولا يصح أن يعقدَ مع فقيرٍ أو قاطع طريق أو يبيع مؤجّل أو بمنفعة أو عوض أو بغير نقد البلد إلّا بإذن الموكِّل.
والوكالة والشركة والمضاربة والمساقاة والوديعة والجعالة عقود جائزة من الطرفين، تبطلُ بموت أحدهما أو جنونه المطبق، وبالحجر لسفه-حيث اعتبر الرُّشد-.
وتبطلُ الوكالة إذا كانت في أمر يُشترط لصحّته من المُوكل أو الموكّل أن يكون عدلًا فإن طرأ الفسقُ بعد ذلك انفسخت الوكالة كإيجاب النكاح.
وتبطل لِفلَس أو رِدة موكّل-لا الوكيل-، وبما يدلّ على رجوع أحدهما، وينعزل الوكيل بموت موكّله، وبعزلهِ له ويكون ما في يده بعد العزل أمانة.
وإن باع الوكيل بأنقص من ثمن المثلِ أو مما قدّره له موكله، أو اشترى بأزيد من ثمن المثل أو مما قدّره له صح العقد وضمن في البيع كل النقص وفي الشراء كل الزائد.
ومن أمِر بدفع شيء إلى معيّن ليصنعه فدفعه ونسيه-الموَكّل- لم يضمن، لا إن أطلقه فدفعه إلى من لا يعرفه فإنّه يضمن هنا.
وإذا قبَض إنسان عيْنا والحظّ فيه للغير فيده يد أمانة، وإن كانت العيْن الحظ فيها له فقط كالعارية فيضمن.
وإن ادّعى الردَّ إلى ورثةِ الموكّل قُبِل مطلقًا بجُعل أو لا، أو ادّعى الرد للموكل وكان بجُعل لم يُقبل إلا ببينة، وإن كان بلا جُعل قُبل قوله في الرد لأنه قبضَ العيْن لحظ مالكها فقط.
باب الشركة
والمُراد بها الاجتماع في التصرّف، وهي جائزة بالإجماع.
وهي خمسة أنواع، ويُشترط لصحّتها أن يكون العاقد فيها ممن يجوز تصرفه وهو: الحر البالغ الرشيد غير المحجور عليه.
الأولى: شركة العنان، وشروطها أربعة:
1- أن يكون رأس المال من النّقدين المضروبين، ولو لم يتفق الجنس، 2- أن يكون كلٌ من المال معلوما قدرا وصفة، 3- حضور الماليْن في العقد، ولا يشترط خلطهما ولا الإذن في التصرف، لأنّ لفظ الشركة يُغني عن الإذن.
4- أن يشترطا لكل منهما جزءً معلوما-مشاعا- من الربح سواء شرطا لكل منهما ربحًا على قدر ماله أو أقل أو أكثر.
فمتى ما فُقد شرط من هذه الشروط فشركة العنان فاسدة، وحيث فسدت فالربحُ على قدر المالين، والوضيعة على قدر المالين، لا على ما شرطاه ويرجع كلٌ منهما على صاحبه بنصف أجرة المثل الذي عمله.
وكل عقد-سواء كان لازما أو جائزا- لا ضمان في صحيحه ولا في فاسده إلّا بالتعدّي أو التفريط، كالشركة والمُضاربة والوكالة والرهن والهبة.
ولِكلٍ من الشريكين أن يبيع ويشتري ويأخذ ويُخاصم ويفعل كل ما فيه حظ للشركة.
والشركة عقد جائز من الطرفين، تبطل بموت أحد الشريكين وتبطل بجنونه، وبحجر سفه، وبسائر ما يُبطل الوكالة.
الشركة الثانية: المُضاربة، وهي أن يكون العمل من شخص ورأس المال من شخص.
شروطها: 1- أن يكون رأس المال من النقدين، 2- أن يكون رأس المال معيّنا لا مُبهما فلا يصح أن يقول بأحد هاذين الكيسين، وأن يكون معلوما قدره، فلا يصح أن يعطيه مجموعة نقود ويقول له: ضارب بها.
3- أن يشترط للعامل جُزء معلوم من الربح مشاعا.
فإن فُقد شرطٌ فهي فاسدة ويكون للعامل أجرة مثله في العمل وما حصل من خسارة أو ربح فللمالك.
ويصح قبول المضارِب بالمُضاربة باللفظ والفعل، قال في المنتهى: تكفي مُباشرته.
ويحرم على العامل شراء ما يُعتق على رب المالك بلا إذنه، فإن فعل وعتق على رب المال؛ يضمن العامل ثمنه لرب المال، ولا نفقة للعامل ولا مع السفر إلّا إذا اشترط فله ذلك، زاد شيخ الإسلام: إن وجدت عادة في ذلك، وإن شرطت النفقة للعامل مطلقا فللعامل نفقة مثله عُرفا من طعام وكسوة، وهذه النفقة تُؤخذ من الربح، قال النجدي: فإن لم يكن ربح فلا نفقة له.
ويملك العامل حصته من الربح بظهوره قبل القسمة كرب المال فهو يملكه بمُجرد ظهوره، فائدته أنه يملك المطالبة بالقسمة، وأنه إن شرط رب المال أنه لا يملكه إلّا بالقسمة لم يصح لمنافاته مقتضى العقد.
ويستقر الملك بحصته في المقاسمة كالمالك، ولا يملك المضارب الأخذ من مال الربح من غير إذن رب المال.
وحيث فُسخت والمال عرض ورضي ربّه أخذه بالصفة التي هي عليها، قوّمه ودفع للعامل حصّته من الربح.
والعامل أمين، لا يضمن ما تلف بغير تعد ولا تفريط، ويصدّق بيمينه في قدر المال وقدر الربح وهلاك، رأس المال وخسران الشركة، ويقبل قول رب المال إذا حصل الربح فيما شرط للعامل.
شركة الوجوه
وهي: أن يشترك اثنان لا مال لهما فيما يشتريانهِ من الناس بجاهِهما، ويكون الملك والرّبح بينهما على ما شرَطاه والخسارة على قدْر الملك، فلا بد أن يُبيّن ذلك.
شركة الأبدان
وهيَ نوعان: الأول: الاشتراك في تملّك المُباحات، وهي أن يشتركا فيما يتملّكانه في أبْدانهما من المباح كالاحتِشاش والاصطياد.
الثاني: الاشتراك في تقبّل الأعمال في الذمّة .
الشركة الخامسة: شركة المفاوضة، وهي: أن يشتركا في كل أنواع الشركات وهي قسمان:
الأول: أن يُفوّض كلٌ إلى صاحبه شراء وبيعًا في الذمة ومضاربة وتوكيلا وغيرها.
الثاني: أن يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما، وهي نوعان:
1- أن لا يدخلا فيها كسبًا أو غرامة نادرة، أو وجدان لقطة أو الركاز أو ضمان غصب.
2- أن يُدخلا فيها ذلك-كسبا أو غرامة نادرة- فهي غير صحيحة.
بابُ المساقاة
وهيَ: دفع شجر مغروس لمن يقوم بمصالحهِ بِجزء مشاع معلوم من ثمره.
ويصحّ بشروط: أولها: كون الشجر معلومًا للعامل برؤية أو صفة، الثاني: أن يكونَ له ثمرٌ يؤكل، فلا تصحّ على ما لا ثمرَ له.
الثالث: أن يُشترط للعامل جزء معلوم من ثمرهِ، الرابع: كون العَاقدين جائِزي التصرف.
الخامس: أن يكون الشجر من رب الأرض، السادس: أن يبقى من العمل ما تزيد بهِ الثمرة فإن لم يبق إلّا الجذاذ فلا تصح، السابع: أن تكون على ثمر من شجر له ساق.
باب المزارعة
وهي: دفع الأرض والحب لمن يزرعهُ ويقومُ بمصالحهِ بجُزء مشاع معلوم من المتحصل لا من الزرع والأرض، ويشترط أن يكونَ البذر معلوما جنسهُ وقدرهُ ولو لم يؤكل هذا الزرع.
ويشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وعنه: لا يشترط ذلك.
ويشترط أن يشرط للعامل جزء مشاع معلوم من الغلّة.
فإن فُقد شرط فالمُساقاة والمزارعة فاسدة ، والثمرة والزرع لربّه وللعامل أجرة مثله، ولا شيء له إن فسخ أو هرب قبل ظهور الثمرة، والجذاذ عليهما بقدر حصّتيهما.
باب الإجارة
وهي: عقد على منفعة مُباحة معلومة تؤخذ شيئا فشيئا مدّة معلومة من عين معيّنة أو موصوفة في الذمة عمل معلوم بعوض معلوم.
أركانها: 1-المُتعاقدان 2- العوضان، 3- الصيغة.
شروطها:
الشرط الأول: معرفة المنفعة، الشرط الثاني: معرفة الأجرة، وتصح أن تكون في الذمة وأن تكون معيّنة.
الشرط الثالث: كوْن النفعِ مباحا وأن يُستوفى دون الأجزاء، وأن يكون النفع له قيمة بخلاف نحو تفاح لشم، وأن يكون مقدورا عليه بخلاف ديك ليوقظه، وأن يكون النفع للمستأجر.
الإجارة تقعُ على ضربين-:
الأول: الإجارة على عين، فإن كانت موصوفة فيشترط فيها أن يصحّ السلَم فيها، وإن كانت في الذمة فيشترط معرفتها برؤية أو صفة.
ويُشترط القدرة على تسليمها، وأن يكون المُؤجّر يملك نفعها، وصحة بيعها إلّا الحر والوقف وأم الولد، واشتمال العين المؤجرة على النفع المقصود منها.
الثاني: الإجارة على منفعة، ويشترط ضبطها بما لا يختلف، وأن لا يجمع فيها بين تقدير مدة وعمل-كأن يستأجره ليخيط عنده ثوبا في يوم- لكن يصح جعالة، ويشترط كون العمل لا يصح أن يكون فاعله مسلما، ويشترط كون الأجير آدميا جائز التصرف.
للمستأجر استيفاءُ النّفع إمّا بنفسهِ أو بمنْ يقومُ مقامه، بشرطِ كونه مثله في الضرر أو دونهُ فإن كان لنفع مخالف أو لضرر أزيد فلا يجوز.
وعلى المؤجّر كل ما جرت به العادة من آلة المركوب-كل ما ينتفِع به المركوب- فيما لو أجّر دابة، والقود والسوق والشيل والحط، وترميم الدار إن احتاجت ونحو ذلك، ولا يُجبر المُؤجر على التجديد والتحسين والتزويق.
ويجبُ على المستأجر المحمل-ما يوضع على الدابة والمِظلة- وما يتّقي به الإنسانُ من الشمس إذا ركب على الدابة، وتفريغ البالوعة والكنيف، وعليه كنس الدار من الزبل ونحوه إن حصلَ بفعله.
والإجارة عقد لازمٌ من الطرفين إذا لم يكن فيها خيار، لا تنفسخ بتلف المحمول ولا بموتِ العاقديْن، ولا بوقف العيْن المؤجرة، ولا بانتقال الملك فيها بنحو هبة وبيع ولمشترٍ لم يعلم-أن المبيع مؤجّر- الفسخ أو الإمضاء والأجرة له من حين الشراء.
وقال في الإنصاف والمبدع: أنّ الأجرة تكون للبائع، كذلك أشار صاحب الإقناع.
وتنفسخُ الإجارة بتلفِ كل العين المؤجرة، وبموت المرتضع، وبهَدْم الدار، ومتى تعذّر استيفاءُ النفع ولو بعضه من جهة المؤجّر فلا شيء له على المستأجر، وإذا كان الخروج من جهة المستأجر فعليه جميع الأجرة.
وإن تعذّر استيفاءُ النّفع من العين المؤجّرة بغير فعل أحدهما كشرود المؤجرة، أو هدمِ الدّار وجبَ مِن الأجرة بقدر ما استوفى.
وإن هربَ المؤجّر وترك بهائمهُ وأنفق عليها المستأجر بنية الرجوع، رجع على مالكها ولو لم يستأذن الحاكم.
الأجير قسمان:
القسم الأول: خاص وهو من قدّر نفعه بالزمن، ويستحقّ المستأجر نفعه في جميع المدة المُقدرّة.
وله-الأجير الخاص- أن يفعل الصلوات الخمس بسُننها والجمعة والعيد، وتتعلّق الإجارة في هذا الإنسان بعيْنه فلا يستنيبُ غيره، ويستحق الأجرة بتسليم نفسه.
القسم الثاني: الأجير المُشترك، وهُو من قدّر نفعه بالعمل والإجارة، وهُنا تتعلق بذمته لا بعينه كالخياط.
فالخاص لا يضمنُ ما تلف بيده إلّا إن فرّط، والأجير المُشترك يضمن ما تلف بفعله لا ما تلف بحرزه أو بغير فعله.
ولا يضمن حجّام ولا ختان ولا بيطار إن كان حاذقًا، وأذِن له مكلّف أو وليّه، ولم تجني يده-بأن يتجاوز بفعله ما ليس له أن يتجاوزه- فإن تجاوز أو قطع في وقت لا يصلح في القطع فيضمنُ وإن لم يقصد.
ولا يضمن راعٍ ما لم يتعدّ أو يفرط بنوم أو بغيبتها عنه فَيضمن.
وتستقرّ الأجرة بفراغ العمل، وبانتهاء المدة وتسليم العين، هذه ثلاث مراتب تكون مع بداية العقد:
1- وجوب الأجرة، 2- استحقاق الأجرة، 3- استقرار الأجرة.
وتجبُ الأجرة بمجرّد حصول العقد-تُملك إن كانت معيّنة ويصحّ التصرّف فيها-.
وتُستحقّ بتسليمِ العيْن للمُستأجر وبذْلها له، ومعنى الاستحقاق: المطالبة -هذه في إجارة العين لا الذمّة-
وتستقرُّ الأُجرة وتثبتُ كاملةً بذمّة المُستأجر كسائر الديون، وتستقرّ بفراغ العمل-إن كان في الذمة- وبانتهاء المدة.
وإن مضَت مُدة يمكن استيفاءُ المنفعة فيها ولم تُسْتوفَ تستقرّ الأجرة بذمة المُستأجر.
وإن اختلفَا في قدْرها تحالفَا وتفاسخا، وإن كان المُستأجر استوفى ما له أجرة فأجرة المثل.
والمُستأجر أمين لا يضمنُ ولو شرط على نفسه الضمان، ويقبل قول المستأجر بيمينهِ بأنّه لم يُفرط، وإن شرط عليه أن لا يسير بها في الليل ووقت القائلة ونحو ذلك فخالفَ ضمن.
ومتى ما انقضت مُدة الإجارة رفع المُستأجر يده، ولم يلزمهُ الردّ ولا مؤونته كالمودع.
بابُ المُسابقة
ذكرَ هُنا حُكم الرقص أنه مكروه للنّساء والرجال، وذكر في الإقناع أنه تكره مجالس الشعر، ويجوز اللعب بالمباح.
والمُسابقة جائزة في السّفن وعلى الأقدام وفي كل حيوان بلا عوض، ولا يجوزُ أخذ العوض إلّا في مسابقة الخيْل والإبل والسهام للرجال.
تصحّ بشروط خمسة:
الشرط الأول: تعيين المركُوبيْن-في الإبل والخيل- في المسابقة، أو الرماة في السهام ويكون التعيين بالرؤية.
الشرط الثاني: اتحاد المركوبين، أو القوسين بالنوع.
الشرط الثالث: تحديد المسافة بما جرت به العادة، الشرط الرابع: علم العوض، ويحصل إمّا بالمشاهدة أو الوصف أو القدر، وتشترطُ إباحته.
الشرط الخامس: الخروج عن شبه القمار، بأن يكون العوض من واحد، من أحد المتسابقين أو من أحد خارج عنهم، إلّا أن يكون بدخول محلّل بشرط أن لا يدفع شيئا من عنده وأن لا يكون أكثر من شرط، وأن يكافئ مركوبه مركوبهم أو رميهُ رميهم.
والمُسابقة جعالة، لا يجوز أن يُؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل.
ولكلٍ فسخها بشرط أن لا يظهر الفضل لصاحبه-إذا رأى أن صاحبه سيسبقُه- فلا يجوز له حينئذ أن يفسخ.
باب العاريّة
وهيَ العيْن المأخوذة للانتفاع بها بلا عِوض.
والإعارةُ إباحةُ نفع العيْن المُعارة بغير عوض من مُستعير أو غيره.
لها ثلاثة أحكام:
الأول: الاستحباب، الثاني: الوجوب، وهي: لمحتاج قراءة المصحف، الثالث: التحريم وهي إعارة المسلم للكافر.
تنعقدُ بكل قول أو فعل يدل عليها إيجابًا أو قبولًا، وبشروط ثلاثة:
الشرط الأول: كوْن العين يُنتفع بها مع بقائها، الشرط الثاني: كون النفع مباحًا، الشرط الثالث: كونُ المعير أهلا للتبّرع.
وللمُعير الرّجوع في عاريتهِ أيّ وقت شاء حتى لو عيّن زمانًا ما لم يضر على مستعير، فمنْ أعارَ سفينة لحملٍ لم يرجع حتى تُرسى السفينة، أو أرضا لدفن حتى يبلى الميت ويصير رميما، أو أرضًا لزرعٍ لا يرجع حتى يحصد الزرع.
وإذا رجع في الزرع قبلَ أوانِ حصده فلهُ الأجرة إلى حين الحصاد.
والمستعير في استيفاء النفع كالمُستأجر إلّا أنّه لا يُعير ولا يؤجّر إلّا بإذنِ المالك ولا يُشترط بيان مدة الإعارة.
وإذا قبض المستعير العاريّة فيده يد ضمان مُطلقًا، فهي مضمونة عليه بمثل مثليٍ وقيمة متقوّم يوم تلفٍ فرّط أو لا.
ولا ضمان في أربعة مسائل إلّا بالتفريط:-
الأولى: إذا كانت العارية وقفًا ككُتب علم وسلاح، وتلفت فإنها لا تُضمن، وقُيّده الشيخ مرعي والشيخ منصور إذا كان الوقف على غير معيّن.
الثانية: لا يضمن فيما لو أعارها المُستأجر أي: لا يضمن المستعير من المستأجر لأنّ المستأجر أصلاً لو تلفت تحت يده بلا تفريط لا يضمن.
الثالثة: إن بليت فيما أعيرت له، أي بسبب الاستخدام إذا كان استعملها بالمعروف.
الرابعة: إن أركب دابته منقطعا لله تعالى فتلفت الدابة تحته فلا يضمن بشرطِ أن يكون صاحبها معه لا يكون انفرد بها فلو انفرد وتلفت فيضمن.
ومن استعار ليَرهن فالمُرتهن أمين، ويضمن المستعير.
كتاب الغصب
في اللغة: أخذ الشّيء ظلما.
واصطلاحا: الاستيلاء عُرفا على حقّ الغير عُدوانا.
ويلزمُ الغاصب ردّ ما غصبهُ بنمائه إن كان باقيًا متصلا كان أو منفصلا، ولو غرم على ربّه أضعاف قيمته.
وإن سمَر بالمسامير بابا أي: شدّ بها بابا قلعها وجوبا وردّها.
وإن غصب الأرض وزرَعها فليْس لربها بعد حصده إلا الأجرة إلى وقت تسليمها، وكذلك إن نقصت قيمتها بسبب الزرع يدفع أرش النقص.
وإن أدركَ المالك الغاصب قبل أن يحصد الزرع، يُخيّر بين تركه بأجرتهِ إلى وقت التسليم أو يتملكه بنفقته وهِي: مثل البذر ولواحقه.
وإن غرسَ أو بنا في الأرض ألْزِم بقلعِ غرسه أو بناءه حتى لو كان-الغاصب- أحد الشريكين.
وعلى الغاصب أرش نقص المغصوبِ وأجْرته مدّة مقامه بيده إن كان مما يؤجّر عادة.
وإن تلِفَ ضمِن الغاصب المثلي بمثلهِ والمتقوّم بقيمته يوم تلفه في بلد غصبه.
ويُقبل قول الغاصب بيمينهِ بقيمةِ مغصوبٍ لأنه الغارم، وفي قدره، ويضمن جنايته.
ولوْ جَنى المغصُوب على غيْره أو أتلف شيئا-كما لو جنى العبد- فيضمن الغاصب الأقل إمّا أرش الجناية أو قِيمة العبد.
وإن أطعمَ الغاصب ما غصبهُ حتى ولو لمالكه-وهو لا يعلم- لم يبرأ الغاصب وإن علم المالك برئ الغاصب.
وإن علم الآكل حقيقة الحال قبل الأكل استقرّ الضمان عليه، وللمالك أن يُضمّن الغاصب أو الآكل.
ومن أتلف ولو سهوا مالًا لغيره ضمنه، ويشترط لضمان المُتلف عدّة شروط:
الشرط الأول: أن يكونَ مالًا، الشرط الثاني: أن يكون محترمًا، الشرط الثالث: أن يكون بلا إذن المالك، الشرط الرابع: أن يكون هذا المال لغير المُتلف، الشرط الخامس: أن يكون المُتلف غير مكرهٍ فإن كان مُكرها ضمن مكرهِهُ.
ومن أوقف دابّة بطريق ولو واسعا أو تركـ بها-بالطرق- نحو طين أو خشبة ضمن ما تلف بذلك.
ومن اقتنى كلبا عقورًا-عادته العقر- أو كلبا أسود بهيمًا أو جارحًا فأتلف شيئا ضمنهُ مقتنيهَا لا إن دخل دار ربّه بغير إذنه.
ولا يضمن ربّ بهيمة غير ضارية-الضارية: من عادتها أن تجنِي على الناس- ما أتلفته نهارًا من الأموال والأبدان.
ويضمنُ راكب وسائق وقائد قادر على التصرّف فيها، وإذا كانُوا أكثر من راكب فالمدبر لهذه الدابة الذي يضمن.
ويضمنُ رب الدابة ما أتلفته ليلا إن كان بتفريطه وكذا مستعيرها.
ومن قتل صائلًا معتديا عليه ولو آدميا، إن لم يندفع إلّا بالقتل دفاعا عن نفسه أو مالهِ، أو أتلف مزمارًا أو آلة لهو أو كسر إناء ذهب أو فضة أو أو ما فيه خمر مأمور بإراقتها أو كسَر حليًّا محرما ونحو ذلك لم يضمن.
باب الشفعة
وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقرّ عليه في العقد.
تثبتُ الشفعة بشروط خمسة
الشرط الأول: كونه مبيعا فلا شُفعة فيما انتقل ملكه عنه بغير بيع، الشرط الثاني: كونه مشاعًا غير مفرز، فلا شُفعة للجار ولا فيما ليس عقارا كشجر وبناء مفرد وثمر، ويُؤخذ الغراس والبناء تبعًا للأرض.
الشرط الثالث: طلبُ الشّفعة من حينِ علمه، فإن أخّر الطلب لغير عذر سقطت شُفعته والجهل في الحكم عذر.
الشرط الرابع: أخذُ جميع المبيع فإن طلبَ أخذ البعض سقطت شفعتهُ.
الشرط الخامس: سبق ملك الشفيع لرقبة العقار، فلا شُفعة لأحد اثنين اشتريا أرض عقار معا لأنّ كلاهما يملكان في وقتٍ واحد، كذلك لو ورث اثنان أرضًا من أبيهم.
وتصرّف المشتري بعد أخذ الشفيع بشفعتهِ باطل وقبله صحيح.
ويلزمُ الشفيع أن يدفعَ للمشتري الثمن الذي وقعَ عليه العقد جنسا وقدرا وصفة، إن كانَ مثليًا فمثله أو متقوّما فقيمته وقت الشراء، فإن جهلَ الثمن ولا حيلة سقطت الشّفعة.
وإن عجز الشفيع عن بعض الثمن يمْهل ثلاثة أيام فإن عجزَ فتسقط شُفعته.
بابُ الوديعة
وهي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض.
الأصلُ فيها الكتاب والسنة، وحكم قبولها: الاستحباب؛ لمن يعلم من نفسه الأمانة وأنّه ثقة قادرٌ على حفظ هذه الأمانة.
يُشترط لصحتها:
الأول: أن يكون المودِع جائز التصرف وكذلك المودَع.
وإن أودع الصغير أو المجنون أو السفيه لجائز التصرف صار المودَع ضامنا ولوْ لم يتعدّ أو يفرّط، ما لم يكن الصغير مؤذونا له في الإيداع، فإن كان مأذونا له في الإيداع فلا يضمنُ المودَع إلا بتعدٍ أو تفريط.
ولا يبرأ إلا بردّ الشيء الذي أودعهُ إلى وليّه.
ويلزم المودَع حفظ الوديعة في حرز مثلها-في المكانِ الّذي تحفّظ فيه مثل تلك الوديعة في العرف- بنفسه أو بمن يقوم مقامه كزوجته وعبده، وإن دفعها بعذرٍ إلى أجنبي ثقة لم يضمن.
وإن نهاهُ مالِكها عن إخراجها من الحرز الذي عيّنه له بأن يحفظها فيه فأخرجها لطريان وحصول شيء الغالب منه الهلاك لم يضمن؛ لأنه فعل ما يحفظها به، وإن تركها ولم يُخرجها أو أخرجها لغير خوف ضمن.
فإن قال له: لا تخرجها ولو خفت عليها فحصل خوف فأخرجها أو لا لم يضمن، وإن ألقاها عند هجوم ناهبٍ ونحوه إخفاءً لها لم يضمن.
وإن لم يعلف البهيمة حتى ماتت ضمن حتى لو نهاه المالك.
وإن أراد المودَع السفر ردّ الوديعة إلى مالكها، أو إلى من يحفظ ماله عادة أو إلى وكيله، فإن تعذّر ولم يخفْ عليها معه في السفر سافر بها ولا ضمان.
والمذهب: يجوز أن يُسافر بها ولو لم يتعذّر ردها إن لم يخف عليها في السفر.
وإن تعدّ المودَع في الوديعة بأن ركبها للانتفاع بها، أو لبِسها إن كانت ثيابا لا لخوف من عث-سوسة تفسد الصوف-، أو أخرج الدراهم ليُنفقها أو لينظر إليها ثم ردّها أو حل كيسها فقط حرُم عليه، وصار ضامنا، ووجبَ عليه ردّها فورا ولا تعود أمانة لغير عقد متجدد.
والمودَع أمين لا يضمن إلّا إن تعدّى أو فرط أو خان -جحدها- ويقبل قولهُ بيمينه في عدم ذلك وبأنها تلفت أو قال: إنك أذنت لي في دفعها إلى فلان وفعلت، وإن ادّعى ورثتهُ الرد لم يُقبل إلا ببيّنة.
وحيث أخّر ردّها بعد طلب بلا عُذر ولم يكن لحمْلها مؤونة ضمن، وإن أُكْره على دفعها لغير ربها لم يضمن.
ومن كانت عندهُ أمانة لا يلزمهُ مؤونة ردّها وعليه إعلام صاحبها بها أو ردها، والمُراد بالرد هو: تمكين صاحبها من أخذها.
باب إحياء الموات
وهي الأرض المنفكّة عن الاختصاصات وملك معصوم.
المنفكّة أي: الخالية، الاختصاص: هو ما يستحقّ من يده عليه الانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته فيه مع عدم قبوله للتمول والمُعاوضة، ولم يُوجد بها أثر عمارة أو وجِد خرب لا يُعلم لها مالك فيجوزُ تملّكها.
من أحيا شيئا من ذلكَ ولو كان ذميّا ولو بلا إذن الحاكم فله مُلكهُ، بما فيه من معدن جامد كذهب وفضة، وحديد وكحل ولا خراج عليه إلّا معدن جاري كنفط فلا يملك إلّا إذا أخرجه.
ما يحصل به الإحياء؟
يحصل الإحياء إمّا بحائط منيعٍ جرَت به العادة، أو إجراء ماءٍ لا تُزرع إلّا به، أو غرس شجر أو حفر بئر فيها، أو أن يَمنع عن الموات ما لا تزرعُ معه فإن كان ماء يغرقها فيَحجزه عنها، أو كثرة الأحجار فإحْياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها.
فإن تحجّر موات بأن دارَ حوله أحجارا، أو حفر بئرا لم يصل ماؤها أو شفى -أي قطع الأغصان القديمة- شجرًا مباحًا كزيتون ونحوه أو أصلحه ولم يركبه -أي يطعمه- لم يملكه، لكنه أحق به من غيره ووارثه بعده وإن أعطاه لأحد كان له.
ومن سبق إلى مباحٍ فهو له، كصيد وعنبر ولؤلؤ ومرجان وحطب وثمر، ومنبوذ رغبة عنه، والملك مقصور فيه على القدر المأخوذ.
باب الجعالة
وهي جعل مالٍ معلوم لمن يعمل له عملاً مباحًا ولو مجهولا.
وإن فعل العمل بعد أن بلغه الجُعل الذي أعلنهُ الجَاعل استحق جميع الجُعل، وإن بلغهُ الجُعل في أثناء عملهِ استحق حصة تمامهِ وإن علم بعد الفراغ لم يستحق شيئا.
شروط الجعالة
الشرط الأول: أن يكونَ الجاعل جائزَ التصرّف، الشرط الثاني: أن يكونَ الجُعل معلوما.
الشرط الثالث: أن يكونَ العملُ مباحًا ولا تنعقدُ على الأشياء التي ليسَ لها فائدة كالمشي على حبل.
الشرط الرابع: أن يكونَ العملُ معمولا للذي جعلَ الجُعل.
وهيَ عقد جائز، وإن فسخ الجاعِل قبلَ تمام العمل لزمه أجرة المثل، وإن فسخَ العامل فلا شيءَ له.
ومن عمل لغيره عملًا بإذنه من غير تقديرِ أجرة أو جُعل فله أجرة المثل، وبغير إذنه فلا يستحق شيئا، باستثناء إن خلّص متاع غيره من مهلكة فله أجرة المثل وكذا إن ردّ رقيقا آبقا فله ما قدّره الشارع دينارا أو اثنى عشر درهما وإن لم يؤذن له.
باب الّلقطة
وهيَ: مال أو مختص يلتقطه غير ربه.
وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يجوزُ التقاطه ويُملك بمجرّد التقاطه، وهُوَ ما لا تتبعه همّة أوساط الناس كسوط ورغيف، ولا يلزمُ تعريفه، وإن وجدَ ربه دفعه وجوبًا إن كان باقيا.
ومن ترك دابته ترك إياس بمهلكة أو فلاة أي: صحراء لانقطاعها أو لعجزه عن علفها ملكَها آخذها، ولو اختلف صاحبها مع آخذها فالقول قول المالك لأنه أعلم بنيته.
القسم الثاني: الضوالّ التي تَمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمار الأهيلة والضباع فيحرُم التقاطها ولو عرّفها، وتُضمن كالغصب ولا يزول الضمان إلاّ بدفعها للإمام أو نائبه أو يردّها إلى مكانها بإذن الإمام وإلّا ضمن ولو تلف، ومن كتم شيئا منها فتلف لزمهُ قيمته مرتين.
القسم الثالث: ما يجوز التقاطه ويملك بتعْرفيه-كالذهب والفضّة- وما لا يستطيع منعَ نفسه من صغار السباع، فمن وثِق من نفسه الأمانة والقُدرة على تعريفها فله التقاطها وإلا حرُم والأفضل تركها.
وهو ثلاثة أنواع: الأول: ما التقطه من حيوان، فيُخير بين ثلاثة أمور أكله بقيمته، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو حفظهُ وينفق عليه من ماله ولهُ الرجوع بما أنفق إن نواه.
الثاني: ما يُخشى فساده كالخضروات والفواكه، فيلزمه فعل الأصلح من بيعها وحفظ ثمنها، أو أكلها بقيمتها، أو تجفيفها، وإن تركها حتى تلفت فإنه يضمن.
الثالث: باقي المال، كالنقود والأثمان والأمتعة، ويلزمه التعريف في الجميع من حيوان وغيره فورا نهارا أول كل يوم مدة أسبوع، ثم عادة لمدة سنة كاملة، وأجرة المنادي على المُلتقط.
ثم إذا عرّفها حولا ولم يأت صاحبها دخلت في ملكه قهرا عليه، فيتصرّف فيها بما يشاء بشرط ضمانها، فمتى ما جاء صاحبها فيُعطيها له أو يعطيه بدلها.
ويحرمُ التصرّف فيها بعد التعريف حتى يعرف وعاءها-الكيس التي هي فيه- ووكاءها-وهو ما يُشدّ به الوعاء- وعفاصها-صفة الشد- وقدرها وجنسها وصفتها.
ومتى وصفهَا طالبُها يومًا من الدّهر لزمه دفعها إليه بنماءها المتّصل، ولا يلزمهُ بيّنة أو يمين، والنّماء المنفصل بعد حول التعريف لواجِدها، وقبلهُ لمالكها.
وإن تلفت في حول التعريف بلا تعدّ أو تفريط لم يضمن، ويضمنُ بعده مطلقا.
باب اللقيط
واللقيط: طفلٌ يوجد لا يُعرف نسبه ولا رقّه، حُكم طرحه: حرام، لتعريضِه للتلَف.
وفي المذهب: اللقيطُ يكون من حينِ ولادتهِ إلى سنّ التمييز أي: سبع سنوات، فمن بلغَ سبع سنوات فليس لقيطًا.
والإنفاق عليه فرض كفاية، والأصل فيه أنه مسلمٌ وحر.
ويُنفق عليْه ممّا معه فإن لم يكن، فالنّفقة عليْه تكون من بيت المال، فإن تعذّر الأخذ من بيتِ المال، اقترض على بيت المال، فإن تعذّر فعلى من علِم بحاله من المسلمين.
والأحقّ بحضانته واجدهُ إن كان حُرًا مكلفا رشيدا أمينا عدلا-ظاهرا-، وميراثُ اللقيط أو دِيته إن قُتل لبيتِ المال إن لم يكن له وارث.
وإن ادّعاهُ من يُمكن كونه منه من ذكر أو أنثى أُلحق به ولو كان ميّتا ويثبَتُ نسبه.
وإن ادّعاه اثنان فأكثر قُدم من له بيّنة، فإن لم تكن فيُعرض على القافة، وهم: قومٌ يعرفون الأنساب بالشبه.
وإن ادّعاه أكثر من واحد وأشْكل أمره على القافة، أو اختلفوا ضاعَ نسبهُ فلا يُنسب لأحد ويكفي قائف واحد، ولا يلزم أن يأتي بلفظ أشهد، ويُشترط فيه أن يكونَ بالغا عاقلا مكلفَا عدلا حرا مجرّبا في الإصابة.
كتاب الوقف
وهُو: تحبيس مالكٍ مطلق التصرّف مالُه المنتفع به مع بقاء عيْنه تقربا لله تعالى.
الصيغة التي يحصل فيها الوقف:
الأولى: إمّا بفعل، كأن يفعل فعلًا يدلّ على أنه يُريد أن يقفَ هذا الشّيء، ولو لم يتكلم كأن يبني بُنيانا على هيئة مسجد ثم يأذن إذنًا عاما.
الصيغة الثانية: القول ولها صريح وكناية، الصريح: الألفاظ التي لا تحتمل إلّا الوقف كقوله: وقفت وحبست وسبلت، وكنايته: تصدّقت وحرّمت وأبدّت ويُشترط فيها نيّة الوقف.
ولو قرن لفظا من هذه الألفاظ-الكناية- بلفظ صريح-تصدقت صدقة محبسة-فيكون وقفا.
شروط الوقف
الشرط الأول: كونه من مالك جائز التصرف-المكلّف الحر الرشيد- أو من يقوم مقامهُ كالوكيل.
الشرط الثاني: كون الموقوف عينًا، يخرجُ من ذلك المنافع كأن يقول وقّفتُ ثمر هذه الأرض.
ويُشترط أن تكون العين يصحّ بيعها، وأن ينتفعَ بها مع بقاء عينها.
الشرط الثالث: كونه على جهة بر وقُربة، فلا يصحّ على الكنائس واليهود والنصارى وعلى جنس الأغنياء والفساق.
الشرط الرابع: كونه على معيّن-غير نفسه- ويصحّ أن يملك مُلكا مستقرًا كزيد أو مسجد كذا.
ولا يصحّ الوقف على مجهولٍ أو مسجد دون أن يعيّنه أو أحد هاذين أو على حمل هذه المرأة.
الشرط الخامس: كونُ الوقف منجزّا غير معلقا، فلا يصحّ تعليق الوقف إلا بموته ويلزم.
الشرط السادس: أن لا يَشترطَ فيه ما يُنافيه، الشرط السابع: أن يقفهُ على التَأبيد.
ولا يُشترط تعيين الجهة، ويلزمُ الوقف بمجرد الّلفظ، ويملكهُ الموقوف عليه، وإذا شرط الواقف ناظرا فيتعين هذا الناظر.
ومن وقفَ على الفقراء فافتقر تناول من هذا الوقف، ولا يصحّ عتق الرقيق الموقوف بحال.
ويُرجع في مقادير الغلة إلى شرط الواقف، ويُعمل بشرطه وإن جهل عُمل بالعادة الجارية، فإن لم تكن فبالعُرف المستمر في ذلك الوقف، فإن لم يكن فبالتساوي بين المُستحقين.
ويجبُ العمل بجميع ما شرطه الواقف، ما لم يُفضِ هذا العمل بالشرط إلى الإخلال بالمقصود الشرعي فإذا أفضى العمل بالشرط إلى معصية أو مكروه فإنه لا يُعمل به، ويرجع إلى شرطه في الناظر.
والناظر: من لهُ حق النظر في كل ما يتعلّق بشؤون الوقف، ويشترطُ أن يكون مسلمًا مكلفا، والكفاية بالتصرّف والخبرة به، والقوّة عليه فإن كان ضعيفا ضم إليه قوي أمين.
ومن وقف على ولده أو ولد غيره دخل الموجودين فقط-دون الحادثين- من ذكور وإناث، ودخلَ أولاد الذكور خاصة وجِدوا حال الوقف أو لا، ولو قال أوقفتُ على ولدي ومن يولد لي دخل الموجودين والحادثين تبعًا.
ومن وقف على عقبهِ أو قال: أوقفتُ على نسلي دخل الذكور والإناث، لا أولاد الإناث إلّا بقرينة.
ومن وقفَ على بنيهِ أو على بني فلان فيختصّ للذكور فقط دون الإناث.
ويُكره التفضيل في الوقف بيْن الأبناء والتسويةُ أفضل، ولا كراهة لو كان لبعض أبناءه عيال أو به حاجة أو عاجز عن التكسب أو خصّ المشتغلين بالعلم أو خص ذا الدين والصلاح فلا كراهة.
والوقف عقدٌ لازم لا يُفسخ بإقالة ولا غيرها، ولا يُوهب ولا يورث ولا يُباع ولا يصحّ إلا أن تتعطّل منافعه فيباعُ حينئذ ويصرف ثمنه بمثله إن أمكن أو بعض مثله وبمجرد شراء البدل يصير وقفًا.
ويحرمُ حفر البئر وغرس الشجر في المساجد ولو وجدت مصلحة من هذا فإنه يجوز.
باب الهبة
وهيَ التبرّع في حال الحياة، حكمها: مستحبّة ، تنعقدُ بكل قول أو فعل يدلّ عليها.
شروطها:
الشرط الاول: كَونها من جائز التصرّف، فلا تصحّ من الصغير والسفيه، الشرط الثاني: كونه مُختارا غير هازل.
الشرط الثالث: كون الموهُوب يصحّ بيعه، الشرط الرابع: كون الموهُوب له يصحّ ملكه.
الشرط الخامس: الاتصال بيْن الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له، الشرط السادس: كونها منجزة فلا يصحّ أن تكون معلّقة.
الشرط السابع: كونها غير مُؤقّتة، ولو وقّتت بعُمر أحدهما فإنها لزمت ولغيَ التوقيت.
الشرط الثامن: أن يكون الموهوب عينًا.
فإن كانت بعوض معلوم فبيْع، ومن أهْدى ليُهدى له أكثر فلا بأس.
ويُكره ردّ الهِبة وإن كانت قليلة، بل السّنة أن يكافئ أو يدعوا له، وإن علم أنه أهدى له حياءً وجب الرد.
وتُملك الهبة بالعقدِ، والمُراد به الإيجاب والقبول، ولا تلزمُ إلّا بالقبض، ويجوز الرجوع قبل القبض مع الكراهة.
ويصحّ أن يهب الإنسان شيئًا ويستثني نفعه مُدة معلومة، ولا يصح أن يستثنيَ نفعهُ أبدا.
وإن وهبهُ وشرط الرجوع متى شاء فهو شرط فاسد غير مُفسد للعقد.
وإن وهبَ ديْنه لمدينهِ أو أبرأهُ منهُ أو تركه له صحّ ولزم بمجرّد الإبراء ولو قبل حلول أجل هذا الدين.
ولصحّة الإبراء شروط:
الأول: أن يكونَ منجزّا باستثناء أن يعلّقه بموت المُبرئ نفسه-إن متُ فأنت في حِل- فيصحّ.
الثاني: أن لا يكون الديْنُ هو الذي يعلم قدره فقط وكتمَه خوفًا من أنه إن علم به الدائن لم يبرئه.
الثالث: أن يكونَ الدين المبرئ منه معينًا فلا يصحّ مع الإبهام، ولا يصح هبةُ الدّيْن لغير من هو عليْه إلّا إن كان ضامنًا.
ولا يصحّ الرجوعُ بالهبة بعد إقباضِها ما لم يكن الواهب أبًا للموهوب فلهُ أن يرجعَ بشرط أن لا يسقط حقه بالرجوع، وبشرطِ أن لا تزيد الهِبة زيادة متّصلة وأن لا يتعلّق بها حق للغير، وأن تكون العين باقية في ملك الابن.
وللأب الحرّ-دون الأم- أن يتملّك من مال ولده ما شاء بشرطِ أن لا يضرّه، وأن لا يكون في مرض موت أحدهما، وأن لا يُعطيه لولده الآخر، وأن يكون التملّك بالقبض، وأن يكونَ ما تملكه عينًا موجودة، وليس للولد أن يُطالب الأب بما في ذمّته من الدّين، بل إذا مات الأب أخذهُ من تركته.
ولهُ أن يُطالب والده بالنّفقة الواجبة، ومن كان في يد الأب عيْن مال لولدهِ ولم يتملّكها فللولد أن يُطالبه به.
ويباحُ للإنسان أن يقسمَ ماله بين ورثته في حال حياته ويُعطي من حدث منهم وجوبا، ويجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم.
وإن خصّ أحدَ أبناءه بالعطية فيحرُم، والتسوية تكون إمّا بالرّجوع أو أن يعطي البقية.
تبرعات المريض، وله أحوال:
الأول: مرض لا يُخاف منه الموت فتبرّعه نافذ كالصحيح ولو ماتَ منه، الثاني: مرض الموت المخوف، وهُو على نوعين:
أحدهما: معدود كالبرسام وذات الجنب ونحوه، الثاني: ما قاله طبيبان مُسلمان عدلان بأنّهُ مخوف فهو مخوف، ويُلحق به ما يخاف معهُ التلف للإنسان وليسَ مرضا كـ من كان بين الصفين وقت الحرب أو كان قُدّم للقتل، أو وقع ببلده الطاعون، أو جرح جرحا مهلكا، فحكم تبرعات هؤلاء نافذ بالثلث، ولا يملك أن يتبرع بأكثر من ذلك، ويكونُ للأجنبي فقط لا القريب الوارث إلّا بإجازة الورثة وإن لم يمت فتصرفّه نافذٌ كالصحيح.
الثالث: الأمراض المُمتدة كالجذام والشلل إن منعتهُ من الخروج وألزمته الفراش فيلحق بالمريض مرضَ الموت المخوف، كذلك الهرم.
باب الوصيّة
وهيَ نوعان، الأوّل: الوصية بالفعل وهيَ: الأمر بالتصرّف بعدَ الموت، أي: يوصي له أن يُسدّد ديونه ويقْسم الإرث بين الورثة.
النوع الثاني: الوصيّة بالمال وهِي التبرّع به بعد الموت.
أركانها
الأول: الموصِي، الثاني: الموصَى به، الثالث: موصَى له، الرابع:الصيغة.
شروطها:
الشرط الأول: أن يكونَ الموصِي عاقلاً ولو مميزًا أو سفيها، الشرط الثاني: أن يكونَ الموصي أثناء وصيّته لم يُعاين الموت فإذا حضرهُ فلا عبرة بكلامه.
الشرط الثالث: يُشترط في الصيغة بحسب كيفيتها فإن كانت باللفظ فيُشترط أن تكون بلفظ مسموع، وإن كان أخرسا فتصحّ منه إن كانت إشارتهُ مفهومة وإلا فلا .
وإن كانت بالخطّ فيُشترط ثبوت أنّ هذا الخط خطُ الموصِي إمّا بإقرار ورثته أو بإقامة بيّنة وحينَ إذن يجب العمل بها ما لم يُعلم رجوعه.
ولها خمسة أحكام على المذهب:-
الحكم الأول: الاستحباب، فيسنّ للإنسان أن يوصي بالخمس وهو لمن ترك خيرا كثيرا عرفًا.
الحكم الثاني: الكراهة، وتُكره لفقير له ورثة.
الحكم الثالث: الإباحة، فتباحُ للفقير إذا كان ورثته أغنياء وتصح وتباح-ممن لا وراث له- بجميع ماله.
الحكم الرابع: الوجوب، وتجبُ على من عليْه حق ولا بينّة فتجبُ عليه الوصية.
الحكم الخامس: التحريم، وتحرمُ على من له وارث بزائد عن الثُلث، فيجوز بأقل من الثلث وتصحّ مع التحريم، وتقف على إجازة الورثة.
والمُراد بالإجازة هيَ: موافقة الورثة على ما تبرُّع به الموصي زائدا عن الثلث للأجنبيّ أو للوارث مطلقًا، فإذا سمحوا ووافقوا على هذه الوصيّة فإنّها تكون صحيحة.
والاعتبارُ بكون من وصّي له أو وهِب له وارثٌ أو لا هوَ عند الموت.
والاعتبار بالإجازة أو الرد للوصية بعد الموت، لأنّ الموتَ هو وقت لزوم الوصية.
فإن امتنع الموصَى له ولم يقبل بالوصية، يُحكم عليه بالرد ويسقط حقه، وإن كان الموصى له غير معيّن كالمساجد والفقراء فلا يشترط القبول.
وإن قبل الوصية ثم رد، لم يصح الردُّ ولزمت فتدخل في ملكهِ قهرًٍا من حين قبوله فما حدث من نماءٍ منفصل قبل القبول فهو للورثة.
تبطُل الوصيّة بخمسة أشياء:
الأول: رجوع الموصي بقولٍ أو فعلٍ يدلّ عليه، الثاني: موت الموصَى له قبل الموصِي.
الثالث: إذا قتل الموصى له الموصِي ولو خطئا، الرابع: إذا رد الموصى له الوصية، الخامس: بتلف العيْن الموصى بها.
الموصَى له
تصح الوصية لكل من يصح تمليكه، ولو مرتدّا أو حربيًا أولا يملَك كحمل وبهيمة.
فتصحّ الوصية للحمل بشرط إن كان موجودا، والبهيمة يصح أن يوصَى لها كأن يُوصى لفرس فلان، ويُصرف في علفها، أو أوصى لفرسِ غير معيّن موقوفا محبوسًا في سبيل الله.
ويشترط أن يكون الموصى له معيّنا فلا تصح لمجهول- كأحد هذين-، ويشترطُ أن يكون الموصى له موجودًا لا معدومًا.
وتصحَ للمساجد ولله ولرسوله وتُصرف في المصالح العامة-مصرف الفيء- وإن أوصى بإحراق مالهِ صحّ وصُرف بتنوير المساجد وتبخير الكعبة، وإن أوصى بدفن ماله صُرف في تكفين الأموات، وإن أوصى بغرق ماله صرف بعمل السفن التي للجهاد، ولا تصحّ لكنيسة ولو كان الموصي كافرا أو بيت نار أو ملَكٍ أو جني أو ميت.
وإن وصى لمن تصحّ له ومن لا تصح له صار كله لمن تصح له، باستثناء ما لو وصى لحي وميت كان للحي النصف فقط.
ألفاظ الوصية
الموصى به تصح الوصية حتى بما لا يصح بيعه، كالمعجوزِ عن تسليمهِ مثل: الآبق، والحمل في البطن إن كان موجودًا، والشارِد، والّلبن في الضرع والمعدوم كما تحمل به هذه الشجرة من ثمار.
ويصحّ أن يكون الموصى به مُبهما كأوصيتُ لك بثوب أو سيّارة وتغلب الحقيقة اللغوية لما أوصى به .
باب الموصى إليه
وهو المأذون له في التصرّف بعد الموت في المال وغيره ممّا للوليّ التصرف فيه حالَ الحياة مما تدخلهُ النيابة.
ويشترطُ في الموصى إليه: أن يكون مسلمًا مكلفًا رشيدا عدلا ولو ظاهرا ولو أعمى أو امرأة أو رقيقابإذن سيدهِ- ولو لكافر عدل في دينه.
وللموصى إليه أن يقبل في حياة الموصي أو بعد الموتِ لأنّه في الحقيقة وكيل وله أن يعزل نفسه متى شاء.
وتصحّ الوصيّة معلقة إذا حضرَ فلان فهو وصي أو صار رشيدًا أو تاب فتصح.
وليس للوصي أن يوصي لأحدٍ بعد موتهِ، إلّا إذا أذن له الموصي، وليس للحاكم أن يتدخّل في أفعال الموصِي إليه إن كان كفؤا.
ولا تصحّ الوصية إلّا في شيء معلوم، لا مجهول، و يملكُ الموصِي فعله-يصح أن يُباشره- كقضاء الدّين، ولا يقضي إلا ببيّنة، ورد الحقوق إلى أهلها.
ولا تصحّ الوصية باستيفاءِ الدّين-دين الميت الذي في ذممِ النّاس مع رشد وارثه أي وارث الدين- ويصح إن كانوا غير راشدين.
ومن وصّي في شيء لم يصح أن يكون َوصيا في غيره، وإن قال له: أعطهِ لمن شئت، أو تصدّق به على الفقراء لم يجز له أخذهُ ولا دفعهُ لأقارب الوصي الوارثين، ولا لورثته هوَ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق