كتــــاب الصــيام
هو لغة: الإمساك.
وفي الشرع: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمنٍ مخصوص من
شخصٍ مخصُوص.
يجب صوم رمضان بثلاثة طرق: الأولى: رؤية الهلال، الثانية: أن يتمّ شعبان ثلاثين، الثالثة: أن لا يكون الجو صحوا ليلة ثلاثين، فيجب صومه بنية
الاحتياط، ويجزئ ذلك اليوم وتُصلى به التراويح، ويجب الإمساك على من
لم يُبيّت بالنية، ولا يقع في هذه الليلة عتقٌ أو طلاق معلّق بدخول رمضان.
وعنه: يباح صومه ولا يجب.
وإن رؤي الهلال نهارا ولو قبل الزّوال فهو لليلة المقبلة
كما لو رُؤي آخره، وإن رؤيَ الهلال في بلدٍ لزم الناس كلهم الصوم، ولو
اختلفت الأقطار.
وفي رواية: يلزمهم ويلزم من
قاربهم في المطلع.
ويُصام وجوبًا برؤية عدلٍ مكلّف، ولو كان أنثى أو عبدا بدون
لفظ الشهادة، وسائر الشهور لا يُقبل إلّا بعدلين بلفظ الشهادة.
وإن صاموا بشهادة واحد، أو لغيم ثلاثين يوما؛ ولم يُرى
الهلال لم يُفطروا؛ لأنّ الأصل بقاء رمضان والصوم كان احتياطا.
ومن رأى الهلال وحده ورُدّ قوله لزمه الصوم، وإن رأى وحده
هلال شوال لم يُفطر بل يصوم مع الناس.
يجب الصوم على: المسلم، ولو أسلم في أثنائه قضى الباقي فقط، وعلى المكلف البالغ العاقل، لا الصغير أو المجنون، وعلى القادر، وعلى وليّ الصغير أمرهُ بالصيام لسبع وضربه عليها
لعشر.
وإذا قامت البيّنة أثناء النّهار برؤية الهلال تلك الليلة
وجب الإمساك بقيّة النهار والقضاء لذلك اليوم، وكذا حائض أو نفساء طهرتا أثناء
النهار فتُمسك بقيّة اليوم وتقضي، كذا مسافر قَدِم ومريض برىء، وصغير بلغ.
ومن أفطر لكبرٍ أو مرض لا يُرجى بُرؤه أطعمَ عن كلّ يوم مسكينا
مد بر، ونصف صاع من غيره، وتسقط هذه الفدية بسبب السفر؛ لأنّه أفطر بعذر مُعتاد.
وسن الفطر لمسافرٍ يقصر، ولمريض يضرّه، ويكره لهما الصوم.
وإن نوى حاضر صوم يومٍ ثم سافر فله الفطر في أثنائه، إذا
فارق عامر قريته والأفضل عدم الفطر.
والحامل والمُرضِع إن خافت على نفسها، أو على نفسها وولدِها
فإنّها تُفطِر وتقضي، وإن خافت على ولدها فقط قضَت وأطعمت، ويلزم الإطعام على ولي الصغير.
ومن نوى الصوم ثم جُنّ أو أغمي عليه جميع النهار فلا يصح
صومه، ويقضي المُغمى عليه فقط، وإن استقيظ بعضه
صحّ صومه.
ويجب تعيين النية في كل ليلة، ويكفي أن يخطر بقلبه أنه
صائم قضاء أو رمضان أو كفارة، ومن قال: أنا صائم غدا إن شاء الله مترددا فسدتْ نيته لا
متبرّكا.
ويصح صوم النفل بنية من النهار بشرط أن لا يكون أتى
بمُفطر قبله، ويُثاب من وقت النية، ولو قال في شعبان لو كان غدا من رمضان فهذا فرضي لم
يُجزئه، وإن قالها ليلة ثلاثين من شعبان أجزأه.
ومن نوى الإفطار أفطر أي: صار كمن لم ينوي-ليس كمن أكل أو
شرب- فيصحّ أن ينويه نفلا في غير رمضان
ومن قطع نية النذر أو الكفّارة ثم نواهما نفلا صح أو قلب
نيتهما إلى نفل صحّ.
باب ما يفسد الصوم وما يوجب الكفارة
المفسد الأول: من أكل أو شرب أو استعط-وضع في أنفه سعوطا- بدهن أو غيره
فوصل إلى حلقه أو دماغه، أو احتقن أو اكتحل بما يعلم وصوله لحلقه فسد صومه.
والضابط: كلّ ما دخل جوفه أو مجوف في جسده كالدماغ أو الحلق من منفذ ولو غير معتاد، أو أدخل
إلى جوفه شيئا من أيّ موضع كان غير إحليله فسد صومه.
الثاني: من استقاء فقاء أي: طلب القيء فسد صومه.
الثالث: من استنمى فأمنى أو أمذى أو باشر دون الفرج، أو قبّل أو
لمس فأمنى أو أمذى فسد صومه.
وفي وجه: لا يفطر بالمذي، ولو كرر النظر فأنزل منيا فسد
صومه لا إن أمذى.
الرابع: من حجم واحتجم فخرج دم فسد صومه.
فيفسد الصوم فيما مضى إن كان عامدا ذاكرا لا إن كان
ناسيا أو مُكرها ولا يعذر بالجهل.
ومن أكل أو شرِب أو جامع شاكًّا في طلوع الفجر ولم يتبيّن
له صح صومه، ولو ظهر له أنّهُ أكل بعد الفجر لم يصح؛ لا إن أكل ونحوه شاكا في غروب
الشمس، فلا يصح لأنّ الأصل بقاء النهار، وإن أكل مُعتقدا أنّه ليل فبان نهارا فالعبرة
بالواقع فيقضي.
ويقضي إن أكل يعتقد أنه نهارا فبان ليلا، لا من أكل ظانا الليل ولم يتبين له خطؤه.
الخامس: من جامع في نهار رمضان ولو في يوم يلزمه الإمساك، ولو
ناسيا أو جاهلا أو مُكرها فعليه القضاء والكفارة أنزل أو لم يُنزل، وتُعذر المرأة بجهلها
وإكراهها.
ومن عليه الإمساك وجامع فعليه الكفّارة لهَتكه حُرمة الزّمن وهو خاص بنهار
رمضان.
وإن جامع في يوميْن مُتفرّقين يُكفر كفّارتان، وإن كرّره في يوم
ولم يكفّر للأول فكفارة.
ولو جامع ثمّ مرض أو سافر لم تسقط عنه، ولا تجب الكفّارة
في غير الجماع في رمضان.
والكفارة: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين
متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فإن لم يستطع سقطت.
ويكره لصائم جمع رقه وبلعه، ويحرم عليه بلع النخامة ويفطر بها، ويفطر بريق أخرجه إلى ما بين شفتيه ثم بلعه.
ويكره ذوق الطعام بلا حاجة، ومضع علك لا يتحلّل وإن وُجِد
طعمهما في حلقه أفطر.
ويكره أن يدع بقايا الطعام بيْن أسنانه، وتكره القبلة
ودواعي الوطء لمن تُحرّك شهوته، وتحرم إن ظن
إنزالا.
ويجب مطلقا اجتناب كذب وغيبة ونميمة ونحوه.
وسن كثرة قراءة قرآن، وذكرٍ وصدقة، وسن لمن شتم قول إني صائم، وسن تأخير سحور إن لم يخش طلوع فجر ثان,
وكره جماع مع شك في طلوع الفجر لا السحور.
ويسن تعجيل فطر، والمراد أن يُعجل إذا تحقّق غروب الشمس، وسن كونه على رطبٍ فإن عدم الرطب، فتمرات، فإن عدم فعلى ماء، وسن قوله ما ورد عند الفطر.
ويستحب قضاء رمضان فورا ومتتابعا، وإن لم يقضِ على الفور
وجب عزمه بقلبه، ولا يجوز تأخيره إلى رمضان آخر، ولا يجوز التطوّع قبله ولا يصح.
وإن
أخّر القضاء إلى رمضان آخر بلا عُذر فعليه الكفارة مع القضاء.
ومن مات وقد أخّره بغير عُذر فيُخرج عنه عن كل يوم مسكينا
من رأس المال، ولا يقضى عنه ما وجب عليه في أصل الشرع.
ومن مات وعليه صوم نذر أو صلاة نذر أو حج نذر وأمكنه فِعله ولم يفعله بمضي زمنه
ولو لم يستطع أستحب لوليه-وارثه- قضاؤه عنه، وإن ترك تركة فيُقضى عنه وجوبا فيفعله
الوليّ أو يدفع إلى من يفعله عنه.
وفي رواية: يكفر كفارة يمين في صلاة النذر واعتكاف النذر.
باب صوم التطوع
يسن صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وسن أن يجعلها الأيام
البيض.
ويسن صوم الاثنين والخميس، وصوم ست من شوال، ويستحب
تتابعها وكونها عقب العيد.
وسن صوم الشهر المحرّم وآكده العاشر ثم التاسع، وسن صوم
التسع من ذي الحجة وآكده يوم عرفة ويلي يوم عرفة يوم التروية.
وأفضل صوم التطوع صوم: يوم وفطر يوم، وإذا كان هذا الصيام
يضعف البدن فيكره.
وكره إفراد صوم رجب، فإن أفطر منه أياما أو صام معه أياما
فتزول الكراهة.
وكره إفراد الجمعة والسبت ويوم عيد الكفار ويوم الشك.
ويكره الوصال وهو: أن لا يفطر بين الأيام، ولا يكره
الوصال إلى السحر.
ويحرم صوم يومي العيدين إجماعا ولو كان في فريضة، ويحرم
صوم أيام التشريق إلّا عن دم متعة وقران.
وإذا دخل في فرض موسّع حَرم قطعه فأصبح مضيّقا في حقه، وكره
خروجه من النفل بلا عذر، ولا يقضي فاسده إلّا الحج والعمرة.
وتُرجى ليلة القدر في العشر الأخيرة من رمضان وأوتاره آكد.
باب الاعتكـاف
وهو: لزوم مسلم عاقل ولو مميّزا لا غُسل عليه مسجدا لطاعة الله
ويُسمّى جوارا.
ولا يبطل بالإغماء، وهو مسنون كُلّ وقت وفي رمضان آكد، وآكده العشرة الأخيرة.
ولا يلزمُ صوم المعتكف، إلّا من نذرَ الاعتكاف وهو صائم.
ولا يصح إلّا بنيّة وفي مسجد تُصلّى فيه الجماعة؛ إلّا من لا
تلزمه الجماعة، فيصح اعتكافه بأي مسجد، وكذا من اعتكف زمنا لا تُدركه فيه صلاة.
ويدخل في المسجد: ظهره ورحبته وهي: ساحته المحوطة ، ومنارته إن
كانت داخل المسجد، وما زيد فيه يُدخل فيه.
والمسجد الجامع أفضل لرجلٍ يتخلّل اعتكافه جمعة.
وأفضل المساجد المسجد الحرام، ثمّ المدينة، ثم الأقصى، وما
عدا هذه المساجد كلّها متساوية.
ومن نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد وعيّنه فله أن
يعتكف في أيّ مسجد، وإن نذر أن يعتكف في أحد هذه المساجد لزمه ويُجزئه ما هو أعلا منه.
ومن نذر اعتكاف زمنًا معيّنا يدخل قبله ويخرج بعده، وإن
نذر زمنا مُعينا كالعشرة الأخيرة من رمضان لزمه المُتابعة ولو لم يقيّده بالتتابع، وإن
نذر عددا جاز له تفريقه.
ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلّا لما لا بدّ له منه
كإتيانه لمأكل ومشرب وطهارة واجبة وجمعة-والأولى أن لا يبكر لجمعة-، ولا يطيل
الجلوس بعدها.
وله المشي على عادته، وقصد بيته لحاجة كنوم إن لم يجد مكانا
يليق به لضرر.
ولا يعُود مريضا ولا يشهد جنازة حيث وجب عليه الاعتكاف؛ إلّا بالاشتراط ، فلو اشترط في أوّل اعتكافه فله ذلك، ولا ينقطع الاعتكاف في خروجه، لا
الخروج للتجارة والتكسّب والخروج لما شاء؛ لأنها تنافي الاعتكاف.
مبطلات الاعتكاف
الاول: الوطء، الثاني: الإنزال بالمباشرة، وإن باشر ولم يُنزل حرم ولم
يبطل.
الثالث: خروجه لما لا بد له منه.
ويستحب اشتغاله بالقُرب وترك ما لا يعنيه، ويكره الصمت
لليل ولو نذره لم يفِ به، ولا يجوز البيع ولا الشراء في المسجد ولا يصح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق