الجهاد لغة: مصدر جاهد أي: بالغ بقتال العدو، وشرعا: قتال الكفار.
حكمه: فرضُ كِفاية إذا قام به من يكفي سقط عن
الباقين، وإلّا لزِم الكل.
ويُسن بتأكدٍ، فإذا قام به الكفاية فالجهاد بحق
الباقي سُنّة مؤكدة.
وأفضل ما يُتطوّع به الجهاد ثم النفقة فيه.
ويجب الجهاد عيْنا على: ذكرٍ مسلم حرٍ مكلف صحيح
واجد عنده القُدرة في أحوال وهي:
الأولى: إذا حضر القتال، الثانية: إذا حضر العدوّ إلى بلده.
الثالثة: إذا
احتيج إليه أو استنفره الإمام-عيّنه- فيجب عليه؛ إلّا إذا كان له عذر.
وتمام الرّباط أربعون يوما، والرباط: لزوم ثغر
لجهاد، وأقلّه: ساعة، وأفضله بأشد الثغور خوفا-القريبة من العدو- ويُكره أخذ أهله معه.
ولا يجاهد تطوّعا إلّا باستئذان أبويْه إن كانا
مسلمين حرّين، ولا يُعتبر إذنهما لواجب.
ولا يتطوّع به مدِين من آدمي لا وفاء له، إلّا بإذنٍ أو رهنٍ أو كفيل مليء.
ويتفقد الإمام وجوبا جيشه عند المسير ويمنع
المخذل-الذي يُزهد الناس بالقتال-، والمرجِف-الذي يقول هلكت سرية المسلمين ويُعظّم
العدو-، والجاسوس أو من يرمي بيْن المسلمين بالفتن.
ويَجعل على كل جماعة عرّيفا، ويجعل
لكل قومٍ راية ويغايرُ بألوانها.
ويبعثُ العيون ليتعرّف حال العدو، وله أن ينفّل-أن يُعطي زيادة على السهم-، ويجعل لها الربع فأقل بعد الخمس، فله أن ينفل الربع في
البداية والثلث بعد الرجعة.
ويلزم الجيش طاعة الإمام، والنصحُ له، والصبر معه،
ولا يجوز التعلّف والاحتطاب والغزو إلّا بإذنه؛ إلّا أن يفجأهم عدو يخافون شرّه
وأذاه.
ويجوز تبيت الكفار-يكمنون لهم في الليل-، ومقاتلتهم فجأة، ورميهم بالمنجنيق، ولو قتل صبي ونحوه تباعا بلا قصد.
ولا يجوز قتل صبي ولا امرأة وخنثى وراهب
ومريض وشيخ فان وأعمى إن كان لا رأي لهم، ولم يقاتلوا ولم يُحرضوا، ولو وقع هؤلاء في الأسر فيكونوا أرقّاء في السبي.
والمسبي هو: غير البالغ، ولو كان مميزا منفردا عن
أبويه أو مع أحدهما فهو مسلم، لا إن سبيناه مع أبويْه فعلى دينهما.
وإن أسلم أحد أبويْه أو مات أحدهما بدارنا
فهو مسلم، وكذا من بلغ مجنونا.
وتُملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب، ويجوز قسمتها في دار الحرب لزوال مُلك الكفّار عنها.
والغنيمة: ما أُخِذ من مال حربي قهرًا بقتال، وما
ألحِق به كالفداء، وما أهدي للأمير.
وهي: لمن شهد الوقعة من أهل القتال بقصد
القتال ولو لم يُقاتل.
فيخْرج الإمام أو نائبه الخُمس بعد دفع سلبٍ، وأجرة جمع، وأجرة حفظ وحمل ونحو ذلك.
ويقسم الخُمس خمسة أسهم: الأول: سهم لله ورسوله، ومصرفه كفيء-مصالح
المسلمين-
الثاني: سهم لبني هاشم وبنو المطلب، الثالث: سهم للفقراء واليتامى، الرابع: سهم للمساكين، الخامس: سهم لأبناء السبيل.
ثم الباقي-الأربعة أخماس- بعد إعطاء النفذ
والرضخ، والرضخ: لمن لا يستحقّون السهم من المُقاتلين يُعطون شيئا أقلّ من
السهم.
وللراجل-وهومن يقاتل على رجله-: سهمٌ ولو كان كافرا إذا خرج بإذن الإمام،
وعنه: يرضخ له فقط.
وللفارس: ثلاثة أسهم إن كان الفرس عربيا، والفارس على فرس غير عربي يُعطّى سهمان فقط.
ولا يسهم لأكثر من فرسين، ولا يسهم لغير
الفرس من البهائم، ويشارك الجيْش سراياه فيما غنمت.
وإذا بعث الإمام من دار الإسلام سريّتين فكلٌ منهما تنفردُ بالغنيمة.
والغالّ من الغنيمة لا يُحرم سهمه، ويُحرق
وجوبًا رحلُه كله ما لم يخرج عن ملكه، ولا يُحرّق السلاح ولا المصحف ولا نفقته، وما فيه
روح وكتب علم وثيابه التي عليه وما لا تأكله النار فله ويُعزّر.
وإذا غنموا أرضا بأن فتحوها عنوة فأجلوا عنها
أهلها خُيّر الإمام بين: قسمها ووقفها على المسلمين، ويضرب عليها خراجا مستمرًّا تُؤخذ
ممّن هي في يده، وتُعتبر دار إسلام وعليهم الجزية والخراج.
وكذا الأرض التي جلوا عنها خوفا منّا كالعنوة فإمّا أن تُقسم بيْن المسلمين، أو توقف.
والمذهب: تصير وقفا بمجرّد
الاستيلاء عليها.
وإن صالحناهم على أنّها لنا نقرّها معهم
بالخراج، والمذهب: أنّها تصير وقفا وهي دار إسلام، وعليهم الجزية والخراج-، خلاف ما صولحوا أنّها لهم فلنا الخَراج فقط، ولا جزية عليهم، والخراج كالجزية تَسقط بإسلام.
والمرجع في مقدار الخراج والجزية إلى: اجتهاد
الإمام، ويختلف باختلاف الأزمنة؛ لأنها مسألة اجتهادية.
والخراج يكون على أرض لها ماء تُسقى لا على
أرض لا منفعة فيها، ويجري فيها الميراث ولو آثر بها أحدا فالثاني
أحق بها.
والفيء: ما أُخِذ بحق من غير قتال؛ كجزية وخراج
وعُشر تجارة من حربي، ونصفه من ذمّي، وما تركوه فزعًا منّا، أو تخلّف عن ميّت لا وارث
له، وخمس خُمس الغنيمة يُصرف في مصالح المسلمين، ولا يختصّ بالمُقاتلة، فيجتهد الإمام
بالأصلح فالأصلح.
ويصح الأمان وهو: تأمين الكفار مدة محدودة، من
مُسلم عاقل مُختار غير سكران بلا ضرر في عشر سنين فأقلّ حالا أو بشرط، كأن إن فعلت كذا
فلك الأمان.
ويصح من إمام لجميع المشركين وأمير البلد
ويُعطي لأهل البلد فقط.
ويصح من أفراد الناس، فيُمكن أن يُعطوا للأفراد او لمجموعة
صغيرة، فإذا أعطاه الأمان فيحرم قتل ورقٍ وأسر وأخذ
مال.
والهدنة: عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال
مدّة معلومة، لا مطلقة ولو طالت بقدر الحاجة، ونلجأ إليْها إن لم نستطع القتال،
فيجوز عقدها للمصلحة.
ولو هرب منهم قنٍ فأسلم فلا يُرد، وهو حر.
ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وحدٍّ وقصاص، ولا يُؤاخذون بحقوق الله، ويجوز قتل رهائنهم إذا قتلوا رهائننا.
وإن خيف نقض عهدهم أعلَمهم الإمام بنقضه قبل
الإغارة عليهم.
والذمة
في اللغة: العهد، ومعناه: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام
الملة، وهي: لليهود والنصارى والمجوس ومن تبعهم.
وعنه: يجوز عقدها لجميع الكفار إلّا عبدة
الأوثان من العرب.
ولا يصحّ إلّا من إمام أو نائبه، والجزية مال
يُؤخذ منهم على وجه الصغار كلّ عام بدلا من قتلهم ولإقامتهم في بلدنا.
ولا جِزية على صبي وامرأة وزمِن-مريض-وأعمى
وشيخ فان وخنثى وعبد وفقير يعجز عنها.
ومتى بذلوا الواجب عليهم من الجزية وجَب قبولها منهم، وحرم قتالهم وأخذ مالهم، ووجب دفع من قصدهم بأذى ما لم يكونوا بدار حرب.
ومن أسلم بعد الحول سقط عنه.
ويُمتهنون عند أخذها فيُطال وقوفهم وتجرّ أيديهم
وجوبا، قال تعالى: {حتّى يُعطوا الجِزية عن يدٍ وهم صاغرون}
قال الموفق والشارح: الصّغار هو: التزام الجزية
وجريان أحكامنا عليهم.
فصل في أحكام أهل الذمّة
ويلزم الإمام أخذهم بأحكام الإسلام في ضمان
النفس والمال والعرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزّنا والسرقة، دون
ما يعتقدون حلّه كشرب الخمر.
ويلزمهم التميّز عن المسلمين بالقبور والحلي-الزينة- بحلْق مقدم رؤوسهم لا كعادة الأشراف، وفي دخول حمام، وفي ركوب الخيل؛ فلهم
ركوب غيرها من غير سراج، ويركبون بإكاف ويركبون بعرض.
ولا يجوز تصديرهم في المجالِس ولا القيام لهم
ولا بداءتهم بسلام أو القول لهم كيف أمسيت، وكيف أصبحت، وجوّزه تقي الدين.
ولا يجوز تهنئتهم ولا تعزيتهم أو عيادتهم، وعنه: تجوز لمصلحة راحجة، ولا يجوز حضور أعيادهم.
ويُمنعون من إحداث كنائس وبِيع باستثناء لو
صالحناهم على أرض على أنّها لهم، أو صالحناهم على أنّها لنا واشترطوا علينا بناء
الكنائس والبيع، ويُمنعون من بناء ما انهدم منها ولو ظلما، ومن تعلية
بناءٍ على مُسلم ولو رضي المسلم سواء لاصقه أو لا ما دام أنه جار له، فإن علا وجب
نقضه ولا يمنعون من مساواته.
ويُمنعون من إظهار خمر وخنزير وناقوس وجهر في
كتابهم ورفع صوت على ميّت، ومن قراءة قرآن وإظهار أكل وشرب في نهار رمضان.
وإن صُولحوا في بلادهم فلا يمنعون شيئا من ذلك، وليس لكافر دُخول مسجد، ولو أذن له مسلم بذلك، ويجوز إن استؤجر لعمارتها وبناءها.
وإن تحاكموا إليْنا فلنا الحُكم فيهم ولنا أن
نتركه، وإن اتّجر عندنا حربيٌّ أخذنا منه العُشر، ومن الذمّي نصف العشر في كل سنة فقط.
وإن تهوّد نصراني أو عكسه فلا يُقبل منه إلّا
دينه أو الإسلام، فإن أباهما هُدّد وحبس وضرب ولا يقتل للشبهة.
فصل في ما ينقض العهد
إن أبى الذمّي بذلَ الجزية انتقض عهده، أو أبى
الصّغار أو التزام أحكام الإسلام، أو قاتلَنا او تعدّى على مسلم بقتلٍ، أو زنا بمسلمةٍ أو
تعدّى بقطع طريق أو تجسيس أو إيواء جاسوس، أو ذكر الله أو رسوله أو دينه بسوء انتقض
عهده؛ دون عهد نسائه وأولاده، وحل دمه وماله، ويُخيّر فيه الإمام كأسير حرب، وإن أسلمَ حرُم قتله ورقّه، وإن أسلم بعد رقّه حرم قتله ولا يُعتَق.
مصادر ومراجع الكتاب
ردحذف